الميكافيلية المجتمعية

عندما بدأت الاتجاهات تعود من المجتمع إلى الفرد الواحد ‏حينها وقعت في هوة التشكلات والجماعات حتى وصلت إلى التيارات المتناحرة فيما بينها إذ نجد ضمن كل تكتل أفراد يتناحرون فيما بينهم بدوافع متعددة ومختلفة ولها خلفيات معينة منها السياسي والسلطوي والديني والعقدي.

لم يقتصر ذلك العنف على وجود مصلحةٍ ما بالضرورة بل انتقلت وتضخّمت إلى التعدي وذلك من أجل خلق صراعٍ مرير قد فُرّغ من محتواه المرجو منه.

إن الفرد منّا لم يعتد بتاتاً على تقييم نفسه بنفسه في أعماله ومنجزاته وما يفعله في حياته بل اعتاد أن يأخذ تقييماً عن نفسه من الآخرين بشكل أو بآخر وهذا الأمرر سبّب نشوء مجموعات وتكتلات متحجّرة ومتقوقعة على نفسها وفي محيطها الخاص والضيق جداً وتعتقد تلك الجماعات بأن منصبها السياسي أو الاجتماعي أو القبلي من الممكن أين يحقق لها كل شيء تريده وتعمل على ذلك في سبيل تحقيقه.

ولكنها في الجانب الآخر منفتحة نعم منفتحة على الاختلافات الواسعة كالمحيطات وعندما بدأت تغذية العنف انتقلت إلى طور آخر يشبه العصابات أو أسوأ من ذلك وتلك نجدها في شتى المجالات منها الدين والسياسة والأدب والاجتماع بشكل عام.

ولم يقتصر ذلك العنف على وجود مصلحةٍ ما بالضرورة بل انتقلت وتضخّمت إلى التعدي وذلك من أجل خلق صراعٍ مرير قد فُرّغ من محتواه المرجو منه وهنا بدأت مرحلة التوحّش حدَّ الإدمان ومن بقي له غاية قبل الصراع وقام بإدارته بواجهة أخلاقية إنما تخفي تحتها ميكافيلية محضة باعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة.

والحفاظ على هذه الواجهة الأخلاقية من خلال أدوات وشكليَّات يُعلّق عليها ويعلّل بسببها الأخطاء الفادحة والفشل الذريع وبعد ذلك يبقى هذا الميكافيلي نظيف تقي لا تشوبه شائبة ولا تظهر عليه علامات الخسّة.

من يبقى ملتزماً صف الحياد فسوف تلقى عليه أكوام ثقيلة من الأخطاء وتحميله المسؤولية كاملة عما يحصل.

إنه ذاك الشخص الذي ذكره مفصّلاً الكاتب الإيطالي الشهير نيكولو ميكافيلي في كتابه الأمير الذي كتبه في بدايات القرن السادس عشر واضعاً فيه خلاصة تجربته وحكمه التي قدمها للأمير لورنزو آنذاك ذاكراً كل نصائحه التي تعين الأمير على حكم شعبه بأي شكل من الأشكال.

لا يختلف الشخص الميكافيلي الذي وضع تصوره الكاتب الإيطالي عن الشخص الذي يعيش بيننا في وقتنا الحاضر فطباع البشر لا تتغير ولا تتبدّل فهي مجبولة على الحب والكره أو الطيبة والقسوة أو الخير والشر وهذا الشخص أو التكتل يحمل طبائعاً من الاستبداد والاستغلال والغرور والثقة المفرطة بالنفس وحتى جنون العظمة بطبيعة الحال وهو بشكل أو بآخر يشكل خطراً على المجتمع ككل لاعتماده المصلحة الشخصية النفعية والعائدة على ذاته وإن أدت تلك المصلحة إلى دمار البلدان وخراب البنيان.

وما حدث بالمختصر أن تلك العقلية الميكافيلية تم تقاسمها بين الجماعات والأفراد أي تم توزيعها ولكن البقاء والغلبة للأقوى كأي غاية وبعدها دخلت في مرحلة من الفوضى العارمة الغير قابلة للتنظيم بالبتات المطلق إلا بفناء بعضهم بعضاً، ومن يبقى ملتزماً صف الحياد فسوف تلقى عليه أكوام ثقيلة من الأخطاء وتحميله المسؤولية كاملة عما يحصل، والتغافل هنا يكون عن الشخص الميكافيلي الذي يحمل بين طياته الخبث والحقد والضغينة ونجاسة الوقائع التي حدثت والتي تمت إدارتها من فناء خلفي غير معلومٍ للكثيرين ربما إلا لمن بحث ودقق بتمعّن.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

إدريس البصري اسم لا يخطئه مغربي، كان يثير الرعب والهلع واليوم يثير العطف والشفقة، إنه يجسد تجربة مثيرة تكشف حال المسؤولين عندما يكونون داخل نسق السلطة وخارجها أيضا، وبموته السياسي انتهت مرحلة من الذرائعية أو الميكيافيلية ولا يبقى منها إلا العبرة.

الأكثر قراءة