الطرح المستحيل في الدولة المستحيلة (2-3)

في الفصل الأول من الكتاب، قام المؤلف بعرض أولي لمفهومي الدولة الحديثة الحكم الإسلامي اللذين يقصدهما، وسبب استبعاده مصطلح "الدولة الإسلامية"، وذلك للتفريق بين العيش في ظل الحكم الإسلامي أو الشريعة، وبين العيش ضمن الدولة الحديثة "وفي ظلها ومعها"، معتبراً أن النماذج القائمة حالياً التي تصرح بتحكيم الشريعة وتطبقها ليست إلا تشوهات للنموذج الأصلي ولا تصلح أن تدرس كمثال مضاد على "الاستحالة" المفترضة.

ويركز هذا الفصل أيضاً على اختلاف النموذجين من حيث النشأة والسيرورة، ويذكر بالآثار الكارثية والدمار الذي يحمله مشروع الحداثة وتقهقر الجانب الأخلاقي، ويفند تهمة الماضوية التي تصم أي مشروع للاستعادة الأخلاقية، ويعرج على مفهوم التقدم الحديث الذي تفترضه تهمة الماضوية، ويقوم بتفكيكه أيضاً، ويعرج في السياق على حركة "التنوير" التي رسخت مركزية أوروبا ومهدت لمقولات "نهاية التاريخ" وحتمية الرجوع إليها للانضمام إلى الحضارة.

في الفصل الثالث، يقارن المؤلف بين الدولة القومية والحكم الإسلامي فيما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات، ويعرض للمشكلات البنيوية التي تتخلل تطبيق هذا المبدأ في الأولى.

وللشروع في إجراء المقارنة التي بنيت عليها الأطروحة يلجأ المؤلف إلى مفهومين أساسيين لرسم حدود ما يقصده بكلا المصطلحين (الحكم الإسلامي والدولة الحديثة) ، الأول هو "النموذج"، الذي يتيح انتقاء تطبيقات ونظريات محددة ومعاملتها بوصفها "الحالة النموذجية" والنظر إلى ما سوىها من حالات على أنه تشوهات ونسخ معدلة ومتبدلة، وثانيهما هو "النطاق المركزي" وهو النطاق الأساسي الذي تعمل فيه أي منظومة بوصفه المجال الذي يعالج المشاكل الأساسية، ومن ثم تعتبر مشاكل النطاقات الأخرى ثانوية وتُحل في إطار ومراعاة النطاق المركزي (الأخلاق هو النطاق المركزي للشريعة، والسياسي وهو النطاق المركزي للدولة الحديثة).

بعد عرض وجيز للنظريات التي تفسر ظاهرة الدولة في مستهل الفصل الثاني، يؤكد حلاق أنه يعتمد نظرية توليفية بينها، باستثناء نظرية هيغل، التي لاحظت عاملاً أخلاقياً في بنية الدولة، معتبراً أنها ماتت وبذلك تستقيم له أطروحة الكتاب.

ولشرح أطروحته يفرق بين شكل الدولة ومضمونها، إذ يتمتع الشكل بخصائص أساسية لا يمكن تصور الدولة من دونها، أما المضمون فمتغير، مثل الرأسمالية والشيوعية وسائر الأيديولوجيات التي تعد من المضامين التي يمكن أن تتغير دون أن تؤثر على طبيعة الدولة.

ويعدد خصائص الشكل الخمسة وهي أولاً "تكوين الدولة" كتجربة تاريخية أوروبية المنشأ. وثانياً "سيادة الدولة والميتافيزيقيا التي أنتجتها"، وهنا يستحضر حلاق المعنى المتخيل للسيادة التي تفترض الديمقراطية إلا أنها لا تشترطها، وانبنائها على العنف، و"الجانب اللاهوتي المعلن" للسيادة وتحول الدولة في ضوئها إلى "إله" غايته نفسه. وثالثاً "احتكار التشريع" وما يتعلق به من "احتكار العنف المشروع"، فالقانون متولد عن الإرادة السيادية ويستتبع العنف لإنقاذه. ورابعاً: "جهاز الدولة البيروقراطي" وهي النظام الإداري الذي يعد جزءاً من النظام القانوني وظاهرة تتعقد باستمرار وتحظى بتأثير واسع يفضي إلى صياغة ذاتيات الأفراد وإنتاج جماعة الدولة. وخامساً: "تدخل الدولة الثقافي الهيمني" في النظام الاجتماعي عبر تدمير الكيانات الثقافية داخل الدولة وإعادة تشكيلها لـ"إنتاج الذات الوطنية".

في الفصل الثالث، يقارن المؤلف بين الدولة القومية والحكم الإسلامي فيما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات، ويعرض للمشكلات البنيوية التي تتخلل تطبيق هذا المبدأ في الأولى، خاصة تغول السلطة القضائية على التشريعية، وتخلف التطبيق عن النظرية، ضارباً الأمثلة من النظام الدستوري والقانوني الأمريكي، ويطرح، بالمقابل، مفهوم السيادة في الشريعة وينطلق منه إلى رسم حدود السلطات التنفيذية والقضائية، ويقرر أن السلطة التشريعية في الإسلام هي سلطة الشريعة فقط، ولا يملك الفقهاء إلا تفسيرها والتشريع في "حدود هامشية جداً"، وليس للتنفيذيين إلا تنفيذها، وليس عليها عليها مراجعة قضائية.

ويقارن بين النظام القضائي لكل من النموذجين، ويرى أن السلطة التنفيذية في الحكم الإسلامي كانت عبارة عن "طبقة (غريبة عن المجتمع) مستأجرة تقوم بمهامها مقابل ضرائب"، ويخلص إلى إن الفصل بين السلطات في الإسلام كان أكثر دقة وتفوقاً من النموذج الحديث.

وفي الفصل الرابع، يتصدى حلاق لمسألة جوهرية وهي "نشأة القانوني"، أو الفصل بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون أو بين الحقيقة والقيمة، انطلاقاً من السؤال حول كيفية التعامل مع القانون إذا كان بخلاف ما تقتضيه الأخلاق، وهل يستمد مشروعيته من نفسه بوصفه قانوناً نافذاً أم من مدى أخلاقيته؟ ويشير إلى إن حركة التنوير حسمت الجواب بتقديم الواقع على الأخلاق، وهذا الفصل التاريخي مهد لاحقاً إلى نشأة "السياسي" كمجال مستقل وحاكم على سائر المجالات القانونية والاجتماعية والأخلاقية، مستعيناً بمقولات كارل شميت الذي وصف الدولة الحديثة بعد انفصالها عن الأخلاق بـ"الإله الجديد"، وكمظهر من مظاهر عمل هذا المجال، يطرح مفهوم المواطن والمواطَنة، وما تتضمنه من معاني الاستعداد للتضحية بالنفس من أجل الدولة، وينكر أن تكون "التضحية" هذه وعملية "التجنيد" المعروفة في الدولة الحديثة مما أقره الإسلام، ويقارنها ذلك بالجهاد في الإسلام، مقدماً قراءة ملفتة ومثيرة للجدل حول الجهاد سنناقشها في الجزء القادم من المقال.

أما الفصل الخامس، فقد أفرد المؤلف فيه حيزاً كبيراً للحديث عن دور الدولة في اختراق المجتمعات ومكوناتها ثقافياً بما ينسجم مع متطلبات بقاء الدولة وتطورها، حيث يعتمد على مقولات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في هذا الصدد، ويقارن بين إنتاج الدولة "رعاياها" وهي ما سماها "الذات السياسية" وبين الذاتيات التي يكونها الحكم الإسلامي على أساس أخلاقي.

وفي بيانه لأدوات الدولة في إنتاج رعاياها يتعرض لمفاهيم البيروقراطيا وأثرها العميق في ذلك إلى جانب الأكاديميا منبهاً إلى عدم استقلالها "المزعوم"، واستبدال بطريركية الأسرة ببطريركية الدولة، ويستفيض في الكلام عن نشوء القومية الحديثة كمناخ ملائم لنشوء الفرد المثالي للدولة الوطنية، ويتحدث أيضاً عن "التدريب" كأحد أدوات هذا الإنتاج.

يرى حلاق أن الشريعة اندثرت مؤسساتها وتفسيراتها وشخوصها "من دون أمل بالعودة"، لكنه يعود ليؤكد، في الهامش أن هذا الكتاب اكتفى بإثارة المشكلات والتحديات.

وبعد عرض طويل لدور الدولة الحديثة في تكوين الذات الحديثة وإفقارها روحياً لتتلاءم مع متطلبات بقاء الدولة، يقارن بين آليات الضبط فيها ونظيرتها في الحكم الإسلامي، مستفيضاً في الحديث عن أركان الإسلام وجوانبها النفسية وتداعياتها على علاقة الفرد بالمجتمع، مقرراً أن "الإسلام لم يعرف وسائل المراقبة الخاصة بالدولة الحديثة".

ورغم كل ما سبق، وعلى فرض إمكانية إحياء النموذج الإسلامي على أسسه لا أسس الدولة االحديثة، فإنه سيصطدم بـ"العولمة" التي فرضت نفسها على جميع الدول. وهو ما يقرره في الفصل السادس، حيث يشرح نظريات العولمة وانعكاسها على مفهوم الدولة، فيما يتعرض في السياق لمفهوم الشركة التي تلعب دوراً أساسياً في الاقتصاد المعولم ويقرر أن أن الإسلام يرفض "الشركة".

وفي الفصل السابع والأخير، يحاول حلاق أن يضع اللبنة الأخيرة على البنيان الذي استغرق منه عملاً مضنياً، ولذلك يعتبر تلخيصاً جوهرياً، حيث يرى حلاق أن الشريعة اندثرت مؤسساتها وتفسيراتها وشخوصها "من دون أمل بالعودة"، لكنه يعود ليؤكد، في الهامش أن هذا الكتاب اكتفى بإثارة المشكلات والتحديات، بيد أن الحلول والاقتراحات لها تحتاج كتاباً آخر أطول من هذا.

لكنه يقترح وجهتين للعمل؛ داخلية وخارجية، الأولى تتعلق بالإفصاح عن أشكال الحكم التي يريدها المسلمون بالاستناد إلى مصادرهم الأخلاقية التاريخية و"بالتفاوض مع الدولة الحديثة" وقيمها الليبرالية، ولكن مع تقديم بديل مقنع لمنظومة الحقوق الليبرالية، والثانية تتعلق بالدعوة إلى التعاون مع تيار فلسفي أخلاقي غربي ناشئ يشارك المسلمين نقدهم للحداثة وسعيهم إلى إعادة الأخلاقي ليكون النطاق المركزي لمؤسساتهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أبرز المسح السنوي لبرنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)؛ أن أكثر من 70% من اللاجئين السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست إن روسيا سوف تضطر لمواجهة عواقب بسبب مواصلتها دعم نظام الأسد، بينما أكد وزير الخارجية الأميركي أن السبيل الوحيد لوقف الحرب هو الحوار.

قال مسؤولون أميركيون إن انهيار أحدث اتفاق لوقف إطلاق النار بسوريا زاد احتمال قيام دول الخليج العربي بتسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات تطلق من على الكتف للدفاع عن أنفسهم.

تناولت الصحافة الإسرائيلية بإسهاب الحادثة التي تعرضت لها وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف الخميس الماضي، خلال حفل فني لتوزيع جوائز في إحدى قاعات مدينة أسدود جنوبي إسرائيل.

الأكثر قراءة