الإسلام الأميركاني

يتردد كثيرا بين أبناء التيار الإسلامي مصطلحٌ ذو طابع سلبي وهو الإسلام الأمريكي أو الإسلام الأمريكاني، ولا تأتي هذه الصيغة غالبا إلا ومقترنة مع سيد قطب رحمه الله الذي حذر منه في خمسينيات القرن الماضي.

لكننا لو نظرنا من زاوية أخرى وأعدنا التفكير في مصطلح الإسلام الأمريكي كطابع تديني مخصص للمسلمين الذين يعيشون في الغرب سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية لوجدنا أن فكرة الإسلام الغربي فكرة جديرة بالاهتمام وتحتاج كثيرا من التفكير والتنظير بمحتواها، وحين نطلق فكرة "الإسلام الغربي".

ارتبط مفهوم " الغرب" في أذهان المسلمين بتلك البلاد وتلك الثقافة التي تنصابنا العداء، لم يرتبط العداء في أذهاننا بفكرة فلسفية محددة، ولا دين معين، بل ارتبط بمنطقة جغرافية.

فبالتأكيد لا يقصد بالغرب هنا أي طابع مرتبط بمصالح سياسية أو اقتصادية لدول، لكن الغرب هنا هو المجتمع الغربي الذي ما زال يواجه بعضه مشكلة مع الإسلام أو المسلمين.

حتى مطلع القرن العشرين لم يكن للمسلمين حضورٌ في غالب القارة الأوروبية وشمال أمريكا، وقد كان الإسلام دينا غريبا عنهم، وإن ذكر فإنه يرتبط غالبا بالدولة العثمانية، لكن حضوره في المجتمعات الغربية يكاد يكون معدوما، حتى أن بعض الكتب كان تمدح الإسلام من بعض الفئات الملحدة أو الوثنية في الغرب لأن مؤلفوا الكتب كانوا يريدون النكاية بالكنيسة عن طريق مدح دين غريب ليس له أي مشاكل مع المجتمع الغربي ومثال على ذلك كتاب: "شمس الله فوق الغرب" الذي ترجم إلى العربية بعنوان : "شمس العرب تشرق على الغرب".

لكن مع توالي الهجرات العربية إلى أوروبا وشمال أفريقيا حصل صدام بين ثقافين، بين المسلمين الذين جاءوا من بلاد العرب ومن بعض الدول الآسيوية. لم يعتبر أؤلئك المسلمون أنفسهم أوروبيين، بل ظلوا يحملون ثقافتهم بكامل جوانبها وزواياها، ظلوا عربا وهنودا ومغاربة لكنهم يعيشون في بلاد ليست بلادهم، لم يستطيعوا الذوبان في المجتمعات الغربية لأن الذوبان برأيهم كان بعدا عن الدين ومن ذاب منهم اكتسب ثقافة تنافي مبادئ دينه. كان المسلم الذي يعيش في الغرب بين خيارين، إما أن يحتفظ بثقافته العربية أو الآسيوية التي تحمل الإسلام، أو أن يذوب في ثقافة الغرب فيخسر هو وأبناؤه الإسلام، ألم يكن هناك أي خيار ثالث؟

ارتبط مفهوم " الغرب" في أذهان المسلمين بتلك البلاد وتلك الثقافة التي تنصابنا العداء، لم يرتبط العداء في أذهاننا بفكرة فلسفية محددة، ولا دين معين، بل ارتبط بمنطقة جغرافية، وهنا برأيي تكن المشكلة، صار "الإسلام" والذي هو دين، يعادي "الغرب" والذي هو منطقة جغرافية، ويتضح ذلك من خلال كثير من الكتب التي ألفت وما زالت وكان أبرزها كتاب الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله " الصراع بين الفكرية الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية"، فقد ارتبط الصراع بين فكرة تنسب إلى دين وبين فكرة تنسب منطقة جغرافية، نعم لا شك أن الكاتب وغيره لا يقصدون المنطقة الجغرافية وحسب، بل هم يقصدون الفكرة التي تنتشر في تلك المنطقة الجغرافية لكن هذا سبب أزمة في عدم تقبل الغرب كله، وعدم التفكير في أن دين الإسلام دين صالح لكل زمان ولكل مكان ومن هذه الأمكنة "الغرب".

نريد إسلاما أمريكانيا وإسلاما أوروبيا وإسلاما لاتينيا وإسلاما آسيويا، ينتمون إلى بعضهم تحت مظلة الأمة ويحافظون على أصول الدين وعقيدته وأخلاقه.

استطاع المسلمون في القرون السالفة أن يكونوا ثقافة اسلامية تتناسب مع مجتمع العرب تختلف عن الثقافة الإسلامية التي ترتبط بالمجتمع الهندي والتي تختلف أيضا عن المجتمع المغولي والمجتمع الإفريقي، فالإسلام لا يريد لأحد أن يتخلى عن ثقافته السابقة ولا لغته السابقة، يقول لك الإسلام : لم آتِ لتغيير ماضيك كله، ولم آت لتغيير ثقافتك ولا لغتك، أتيت لوضع أطر عامة ومناهج حنيفة وعقيدة سليمة وأخلاق رزينة، وتستطيع أن تضع هذه الأطر في ضمن ثقافتك وأن تقولبها في قوالبك الفنية والجمالية.

لكن حين هاجر كثير من المسلمين إلى الغرب لم يستطيعوا تكوين ثقافة إسلامية غربية، لم نستطع أن نكون إسلاما أوروبا أو إسلاما أمريكيا كما استطاعوا تكوين ثقافة إسلامية هندية وشرق آسيوية، كانت الحواجز التي تفصلهم عن "الغرب" كبيرة ومدى التخوف من "الفكرة الغربية" تحجبنا أن نتداخل مع هذه المجتمعات، وأن نقنع العالم أن الإسلام صار جزءًا من المجتمع الأوروبي والمجتمع الأمريكي.

نعم نريد إسلاما أمريكانيا وإسلاما أوروبيا وإسلاما لاتينيا وإسلاما آسيويا، ينتمون إلى بعضهم تحت مظلة الأمة ويحافظون على أصول الدين وعقيدته وأخلاقه، ويحتفظ كل واحد منهم بخصوصيته الثقافية ليكون جزءً من مجتمعه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أشاد المرشح للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب بالمساهمة "الممتازة" للسود في البلاد, ووصف متحف التاريخ الأفريقي الأميركي الذي دشنه الرئيس باراك أوباما بأنه "رائع".

الأكثر قراءة