إياكِ أن تغفري يا حلب

إياكِ يا حلبُ.. أن ترحمي أحداً غداً عندما تُسألين "ما جرى لك يا حلب؟".. إياك أن تصمتي، قولي كلّ شيء، عن كلِّ صغيرة وكبيرة، عن أرضك وسمائك، عن جوّك وبحرك، عن كلّ شيء تحدثي يا حلبُ، عن الأرض والعِرض، عن التراب، عن الأطفال، عن الشباب، عن النساء، عن الشيوخ، عن الأرامل والثكالى، عن الكبار والصغار، عن الجثث كيف حالُها يا حلبُ؟
 

عن الجوعى والجرحى، عن المشردين والمهجّرين، عن الثكالى والتائهين، عن الشهداء ودماؤهم، ولمَ وكيفَ سالت؟ وعلى يد مَن نزفت ونزفت؟ تحدثي يا حلبُ.. عن المجرمين والقتلة، عن المتاجرين بالدماء، بالأطفال، بالأوطان، عن السحرة والكذبة، عن الظالمين، عن الصّغَار تحدثي.. عن الطائرات والمدافع والبراميل المتفجّرة، عن السكين تحدثي.. عن أحيائك العامرة كيفَ نامت وكيفَ أصبحت! عن سمائك الغائمة، عن الشوارع كيف صارت حزينة، عن مجلس الخوفِ تحدثي، عن العالم تحدثي، عن الكبار تحدثي، عن المسلمين تحدثي، عن أصحاب الحق تحدثي..
 

آهٍ يا حلبُ ثم آهٍ ثم آه.. لا تستحي يا حلبُ.. جودي ولا تتوقفي فالله يُعطي سمعَهُ، فاليوم يومك، فالدماء دماؤك، والأرض أرضك، والسماء سماؤك، والرجال رجالك، والشباب شبابك، والشهداء شهداؤك، والأطفال أطفالك، والخير خيرُك، والقضيّة قضيّتك، والتراب ترابك، والبحر بحرك.. وحشك ليس شجاعاً، فلم ينتقم إلّا من الأطفال، من العزّل، من الأبرياء، من النائمين، من المصلين، من المسالمين، من الأحرار الطامحين للخير والسلام.. من البيوت، من المساجد، من الكنائس، من الشوارع، من الحارات، من المخابز، من كل شيءٍ انتقم..
 

اتركيهم يا حلب ليذوقوا وبال أمرهم، وانصرفي أنت لتداوي الجراح.

ليس قويّاً يا حلبُ، مَن يركب الطائرات، مَن يقصف بالصواريخ، مَن يحمل البراميل، مَن يرقص على الجثث، ليس عزيزاً بل ذليلْ.. خبثُهم فاق التوقعات، فاق كل ما تتوقعين، لم أرَ مثل ذلك ولا وراء ذلك خبثاً، إنّه مطلقٌ مفتوحٌ.
 

إيّاكِ أن تصمتي، وأن تغفري، أن تسكتي، إيّاك أن تنسي، سجلي كلّ شيء، دوني كلَّ شيء، اكتبي كلَّ شيء، أظهري المستور، اكشفي الحقيقة، أعلني على الملأ مؤامراتهم، خداعهم، مكرهم، تسويفهم، قلقهم، مناوراتهم، مشاكساتهم، تمثيلهم، تباكيهم، تناسيهم، مشاوراتهم، مباحثاتهم، قولي شيئاً عن البيتزا وعن الفوتكا! لن يقدروا عليكِ؛ فاليوم لا مجالس ولا كراسي ولا أهل، ولا ولد، ولا كبير ولا صغير، الأرض منبسطةٌ، والناس فُرادى، حفاةً، عراةً، غُرلاً..
 

جاء دورُكِ يا حلبُ.. لا تنسي شيئاً اخرجي كلّ ما في نفسك، قدّمي سجلاتك، أوراقك، دواوينك،
أعلني عن أطماعهم، ارفعي صوتك في وجوههم لا تخافي، لا تبكي كما أنتِ الآن، خذي حقك وافياً..
انظري إليهم كيف أصبحت وجوههم مسودة، مغبرة، معفرة، ملظمة، ألا شاهت وجوه الظالمين!
اصبري عليهم فلم يذوقوا بعدُ من كأسهم، وما زالوا يُسألون.. اتركيهم ليذوقوا وبال أمرهم، وانصرفي أنت لتداوي الجراح.
 

لا يكفي أن نبكي على الدماء، ونتعاطف مع الضحيّة، بل يجب أن نفعل شيئاً ينصر القضيّة، قد لا يكون بمقدورك أن تفعل أكثر من أن تبكي أو تُظهر تعاطفاً مثلي ولكن قد يكون بمقدورك أن تصلح نفسك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

واصلت طائرات النظام السوري وروسيا غاراتها على مدينة حلب، وزادت من جراح المدينة التي ودعت مئات من أبنائها، وباتت مستشفياتها غير قادرة على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الجرحى.

قالت واشنطن تايمز إن البنتاغون يقوم حاليا بالبحث في علاقة المذهب السني بـ"الإرهاب"، وإن الإستراتيجية العسكرية القومية الأميركية الجديدة ربما تتضمن نقاشا "لهذا المذهب الذي يدعم "العنف"، وفقا للصحيفة.

الأكثر قراءة