شعار قسم مدونات

عندما يكون الأعور ملكاً في بلاد العميان

blogs - moroco
قريباً سيحين موعد الإنتخابات المغربية، ولا زلنا نسمع أصواتاً تقول بأنها ستختار التصويت لحزب العدالة والتنمية، المتربّع على عرش الحكومة الحالية، لأنه أفضل حزب في الساحة حتى الآن، ولأن لا وجود لحزب آخر بديل له .
يذكّرني هذا بالمثل القائل بأن الأعور ملكٌ في بلاد العميان! ولكن لا علينا، لماذا لا نحاول التفكير منطقياً في المسألة؟ لن ألجأ للمصطلحات السياسية المعقدة ولا للعلوم الاجتماعية لتفسير وجهة نظري، التي أعتقد أنها وجهة نظر نسبة لا يستهان بها ممّن لا تعبّر صناديق الإنتخابات عن أصواتهم على الإطلاق. سأستعمل لغةً بسيطة جداً وسهلة يفهمها الجميع، وهذه أمنيتي.

معظم من يرغبون في التصويت من جديد لحزب العدالة والتنمية يدّعون أنه لا حزب آخر يستحق التصويت عليه، وكيفما كان حزب العدالة والتنمية فإنه "لا خيار على الإطلاق".

معظم من يرغبون في التصويت لحزب العدالة والتنمية، يدّعون أنه لا حزب آخر يستحق التصويت، وكيفما كان حزب العدالة والتنمية، فإنه لا خيار على الإطلاق.

إن هذه العبارة في حدّ ذاتها تحطيم للحزب من طرف أتباعه.. لو فكّرنا فيها جيداً لاكتشفنا أنها اعتراف صريح بفشل هذا الحزب أيضاً – تماما كغيره من الأحزاب الأخرى – وبالتالي هو أيضاً إعتراف بأن الحزب لم يحقق ما كان يدّعي أنه سيحققه قبل وصوله للمنصب الحالي.

لو تتبعنا هذا التسلسل المنطقي، لن نجد صعوبة في اكتشاف أن الحزب لا يحقّ له أن يفرح بأي انتصار قادم إن كانت هذه الحجة المهترئة هي التي تجعله قائماً لحد الآن، أن تكون أعوراً في بلاد العميان، فهذا ليس إنجازاً عظيماً!

ما لا يطرحه الشعب، وما لا يريد التفكير فيه لأسباب تعود إلى الشحن الحكومي والسياسي للعقول ببعض المقولات الوطنية التي لا هدف من ورائها سوى صناعة وعي زائف بالوطن، والسؤال الأكثر شرعية هنا هو: هل أنت مضطر للتصويت على حزب أعور لأن باقي الأحزاب عمياء؟ وما هي القيمة الأخلاقية من وراء هذا الفعل؟ هل حاولت تقييم فعلك هذا من وجهة نظر أخلاقية محضة؟

دعونا من أخلاق كانط وأفلاطون، ومن اليوتوبيات التاريخية العميقة، نحن هنا نطرح سؤال وعي اجتماعي بسيط جداً، إذا كنت واثقاً من أنه لا حزب يستحق صوتك، ولكن مقارنة بباقي الأحزاب، حزب العدالة والتنمية مجرد حزب أعور ولم يصل بعد لدرجة العمى، ألا ترى أن التصويت عليه دعم للعبة سياسية مرفوضة شكلاً وقالباً؟ أليست دعماً للفساد وقضاءً على أعرق مبادئ الوطن؟ أليس هذا ضرباً في عمق الديمقراطية التي أصبحت مجرد أنشودة نتغنّى بها ونستعملها في مقالاتنا لتزيينها، لنظهر بمظهر الشعوب المتحضرة؟

إن التصويت لحزب لم يحقق وعوده، فقط لأن الأحزاب الأخرى أكثر فساداً منه، هو دعم صريح للفساد بحد ذاته، لكن لا أحد يجرؤ على الاعتراف بهذا.

الموقف المثالي والأخلاقي في هذه الحالة هو التوقف عن التصويت، هو رفض المشاركة في اللعبة، هو الحياد والضغط عن طريق الصّمت هذه المرة، ليست الثورات وحدها طريق تحقيق المطالب، لا أحد يفهم بعد قدرة الصمت على تحقيق ما لا يحققه الضجيج المبالغ فيه.

عندما ترفض المشاركة في الانتخابات فأنت ترفض قوانين اللعبة في حد ذاتها. ترسل رسالة قوية لكلّ الأحزاب والمسؤولين، تقول لهم بشكل واضح وصريح: غيّروا قوانين اللعبة، غيّروا البيادق التي في الساحة، اتركوا الفرص لأحزاب جديدة، أحزاب لم تلطّخ بعد بأوهام السياسة والفساد، وأخرجوا من الساحة كلّ الأحزاب الفاشلة التي أعطت وعوداً في زمن ما ووجدت نفسها غير قادرة على تحقيقها، ولكنها رغم ذلك أُعجبت بالأضواء والكراسي الرئاسية ورفضت الخروج بكرامتها.

أما أن تشارك وأنت تعلم أنّ اللعبة ميؤوس منها، فصدّقني، لن يسامحك الوطن!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.