الأسير الذي دفننا أحياء

blogs- الأسرى الفلسطينيين

لحظة رؤيتي فيديو الأسرى القاضي والبلبول وهم ينشدون عبر لسان تصحر ماءه.. منتصب القامة أمشي ..مرفوع الهامة أمشي، أحسست وكأنهم عملاقة يقفون ويتفرجون علينا من أعلى وبابتسامة ملؤها التحدي يقلبون كل عالمنا المليء بالشعارات الفارغة على رؤسنا لندفن أحياء.
 

نعم نحن نستحق أكثر من هذا لأننا تركنا للعابثين النواة المركزية وأصبحنا إلكترونات متنافرة نتنافس فيما بينها لتدور في فلك لها وحدها وتصبح مركز الكون، فإذا نظرنا من حولنا من خلال هذا العالم الفضائي المفتوح ونشهد على أعداد هؤلاء الذين غدوا محاور الكون؟
 

هناك من يجتهد ويتفنن في غسيل أدمغة الجيل الجديد القادم ويعلمهم أن القدس هي عاصمة إسرائيل، بل ويربيهم على الوقوف محتفلين مهللين لقاتل أطفال غزة.

وماذا هم أمام هؤلاء الأسرى العمالقة الذين لا يقتلهم مخاضهم الأليم مع الجوع بل يغتالهم نسياننا وحالنا الهش المفكك، الأسير الذي لم يكن سقف همه أن يسجل تاريخه العظيم على حائط فيس بوك أو يتخم الإنستجرام بأوضاعه وحاله بدون طعام وحلوى، ولم يزعج العالم عبر سناب شات بأصوات معدته الخاوية ويخبرهم في بث حي ومباشر عن دقائق الألم الثقيلة و طريقه البطولي ما بين الزنزانة وغرفة المستشفى بل كان همه أن يعيد للوطن المسلوب بعضاً من حياة وكرامة.
 

كم منا لديه الجرأة أمام ضميره ليقول من أعماقه (منتصب القامة أمشي) ويكون راضياً عن نفسه تماما كابتسامة الرضى التي ارتسمت على شفاه البلبول والقاضي .هل نملك فعلا القوة الكافية على الوقوف مرفوعي الرأس في قمة انهزامنا، وغيرنا يرمي نفسه إلى الموت من أجل الوطن، ونحن لا نملك إلا أن نردد كالببغاوات شعارات وأغان توارثناها أباً عن جد، والأنكى من ذلك كله إننا نغني للوطن رغما عنه و نزيد ألمه و صداعه من نشوز ألحان بلا مشاعر.
 

اعتادنا وبلا وعي أن نشعر بالقوة والجبروت عندما تأخذنا الحمية على أوطاننا ونقول (روحي فدا الوطن)، فهل هذه العبارة تكفي ولها مفعول يقابل ما قدمه هؤلاءالأسرى؟، أولئك الذين اعتادوا زيارة عزرائيل لهم في اليوم مئة مرة، لا ليقبض أرواحهم بل ليطلعهم على كم الأحياء الأموات، الذين فقدوا السمع والبصر عن قصص هؤلاء الأسرى الأبطال.

في الوقت نفسه نجد هناك من يجتهد على طمس الوطن ويتفنن في غسيل أدمغة الجيل الجديد القادم ويعلمهم أن القدس هي عاصمة إسرائيل، لا بل ويربيهم على الوقوف محتفلين مهللين لقاتل أطفال غزة، ويمحو ألوان العلم الذي يعلقه آبائهم في أرجاء الدار ويبدله بعلم رغم بياضه الناصع تفوح منه عفونة أرواحهم، وفوق كل هذا يزرع فيهم بذور التملق والاعتراف بالعدو الذي من شدة حبه لهم يتمنى موتهم مع كل نفس يتنفسه.

لقد كبرنا على إن القدس هي عاصمة فلسطين وأنها أولى القبلتين وأنها أرضنا التي اغتصبها عدونا وشرد أهلها في مشارق الأرض ومغاربها، كبرنا على أغنيات هنا إذاعة القدس وصوت مارسيل خليفة يصدح ب
إنــي اخــتـرتــك يــاوطـني     **    حــــباً وطـــــواعـــية
إنــي اخـــتـرتـك يــاوطــني     **   سراً وعـــلانـــيــة
إنـي اخـــتـرتـك ياوطني      **    فليتنكر لي زمني مــادمـت ستذكـرنـي
يـاوطـني الــرائـع يــاوطـني   **    دائــم الخـضرة يــاقـلب
 

وعلى حكايات الجدات عن المفتاح المُعلق في نحورهن، والذي كانت براءة طفولتنا تستغرب حجمه وقدمه خصوصاً إذا ما قارناه بالمفاتيح العادية ولكن عندما كبرنا نحن عرفنا إن قيمة هذا المفتاح أغلى منا جميعا.
 

قصص الصمود التي مرغت أنوف الخونة في التراب بمعركة الأمعاء الخاوية، برهنت للعالم إن الإنسان الشريف لن تقف حريته المسلوبة أمام خيار المقاومة واسترجاع الوطن بكرامة.

وإن أكثر ما يجب أن يقلقنا الآن أن حملة المفتاح يرحلون واحدا تلو الآخر ويتركونه ضمن مقتنيات الإرث حزين..وحيد يبكي صاحبه الذي رحل ولم يعد أحد يؤنس وحشته داخل صندوق معتم بارد وهو الذي كان ينافس الولد على حضن الأم الدافيء، فمات الذي كان ينصبه ملكاً في كل أحاديثه وحكاياته عن البلاد وخيرها ويعده في آخر كل حكاية إنه سيقيم له في يوم النصر والعودة عرساً تسمع عنه كل المعمورة ويعقد قرانه من جديد مع القفل الهرم الذي اغتصبه العدو.
 

في الوقت الذي تنهار فيه أماً ما من البكاء لأن ولدها لم يوفقه صوته الشجي بالصعود إلى عالم الشهرة في إحدى البرامج المعششة في عقول شبابنا الحالي وتبكي بحرقة حظه العاثر الذي هُزم أمام لفة كرسي، نرى فيه أم الأسير الحر تقف بثبات وعزيمة الجبل أمام موت ابنها، وكل بهرجة الدنيا وكنوزها لم تثنيها على خيانة صبر فلذة كبدها، بل شكرت رب الناس بإن قصصها وأغنيات الوطن لم تضع هباءاً منثورا.
 

ولم تكن مجرد خرافات وأساطير لا وجود لها بل هي ذاتها قصص الصمود والكرامة تتكرر مع كل أم أسير بطل كسرت فيها شوكة العدو الحاقد ومرغت أنوف الخونة في التراب بمعركة الأمعاء الخاوية، وبرهنت للعالم الصامت الذي اعتاد الخنوع، إن الإنسان الشريف صاحب الحق لن تقف حريته المسلوبة أمام خيار المقاومة واسترجاع الوطن بكرامة، ومهما تنّكر الكبار ومهما حاولوا تهميش القضية والتجرأ على تغيير المسميات في الكتب.
 

فلا بد أن يعلموا أنه مازال هناك ألف أم عربية أصيلة قادرة على وشم كل الحكاية على ثنايا قلوب ابنائها، ونقش حروف (إن القدس عربية، أرض الإسراء هي عاصمة فلسطين الأبدية) على خيوط الحناجر، فإن كان نصرهم في حبر الورق فلن يصمدوا طويلا أمام عواصف الأمعاء ورعد الحناجر.