شعار قسم مدونات

جبر الخواطر

blogs - men

لدينا من المشاكل اليومية والضغوط النفسية ما يكفي لخلق مزاج سيء تنجرعنه ردات فعل أسوأ، لكن لا يجب أن يكون هذا مبررا للتعامل الجاف والقاسي مع الناس، أو حتى مع نفسك،  فلا بد من أسلوب حياتي ليِن وسلس، تجابه به قسوة الحياة. جبر الخواطرعلى سبيل المثال هي تقنية أخلاقية سامية، لا يكاد يستغني عنها أصحاب النفوس الراقية والطيبة؛ للحد من قساوة المشهد اليومي وتغييره إلى الأفضل.
 

جزئيات الحياة وتفاصيلها التي نتغاضى عنها أحيانا، هي مصدر السعادة لنا ولغيرنا إن أحسنّا استغلالها. 

رغم تكرر تلك الكلمات على مسامعنا، "جبر بخاطري" "كسر بخاطري" "الله يجبر بخاطرك"،  إلا أنَنا في بعض الأحيان لا نبالي لسماعها ولا نلقي لها بالا؛ وذلك لأنها كلمات اعتدنا على سماعها دون الخوض في معانيها، ولا في تأثيرها علينا كأفراد أو على من حولنا، في حين أننا لو راقبنا تأثير الكلمات التي نتلقاها في نفوسنا، أو الكلمات البادرة منا وتأثيرها في نفوس الآخرين،  لغيَرنا من أنفسنا وطريقة تعاملنا، لاسيما مراعاة المشاعر والحرص على جبر الخواطر.

يغلب على تعاملاتي اليومية الطيبة إن كان مع عائلتي، زوجي، أقاربي، أو حتى مع أُناس لا أعرفهم، فلم أميز بين معنى الطيبة وجبر الخاطر، فمعنى إحداهما يصب في الثاني. لكن مع مرور الوقت والمضي في الحياة، أدركت أن الطيبة صفة تصاحب الشخص منذ صغره، فهي ليست عادة سلوكية مكتسبة. فإن قادتك الصدفة لإسداء خدمة لأحدهم، وكان هذا لا يضيع وقتك و ا يتطلب جهدا إضافيا منك، فهذا عمل نبيل من شخص طيب، أما إذا كانت مساعدتك للآخر تشق على نفسك وتخسر فيها من وقتك وجهدك، وذلك ابتغاء إرضاء الآخر أو بمعنى أصح الجبر بخاطره، فهذه أسمى معاني الطيبة، وهو أسلوب راقي في التعامل لا يجيده الكثيرون.

لم أكن لأتأمل في معنى جبر الخواطر لو لم أعايش موقفاً جعلني أُعيره كل هذا الاهتمام وأحرص على عدم الكسر بالخاطر قدر ما استطعت، على الرغم من بساطة الموقف لكنَ له أثر كثير. ففي هذه السنة ذهبت جدتي إلى العمرة، لم أكن في البداية حاسمة للذهاب لتوديعها من المطار، وذلك لأني أقطن في مدينة مجاورة للمدينة التي بها المطار، و ليس من السهل إيجاد مواصلات خاصة في عطلة نهاية الأسبوع، و كان لزوجي عدة أعمال أكيدة يجب إنهاؤها قبل بداية الأسبوع، وبالتالي لا يستطيع مرافقتي، كل هذه العوامل كانت كفيلة لاتخاذ القرار بان أكتفي بمحادثة هاتفية لأدعو لها بالسلامة. ولكن بمكالمة هاتفية من أبي يدعوني لأن أحلَ محله في توديع أمه،  لكونه ليس قاطناً بنفس البلد،  لم يعد لديَ الخيار، فقررت أنا وزوجي الذهاب لتوديعها واحتساب الأجر للًه.

موعد الطائرة كان في الصباح الباكر، كنا متخوفين من عدم الوصول في الوقت، لكن ما حدث لم أشهده من قبل، وجدنا مواصلات فور وصولنا، ووصلنا للمدينة في وقت أقل من العادي، ووجدنا تاكسي كذلك بسرعة، وهذا ما لم نألفه حقًا من قبل. فور وصولنا للمطار، قفزت جدتي من مكانها بعكازها لتحضنني وفي عينيها دموع الفرح والاشتياق، وقالت إنها كانت بانتظاري حتى أنها جلبت لي هدية على أمل أن تلقاني، آنذاك حمدت الله أنني لم أكسر بخاطرها وأدخلت الفرحة على قلبها.

عديدة هي المواقف التي يمكن استغلالها للجبر بالخاطر وإسعاد الناس من حولنا،  فكل منا يستحق أن يفرح، فجزئيات الحياة وتفاصيلها التي نتغاضى عنها أحيانا، هي مصدر السعادة لنا ولغيرنا إن أحسنَا استغلالها، فعلى سبيل المثال منصات التواصل الاجتماعي من أكثر الوسائل استخدامًا في عصرنا هذا، وبالتالي أبلغها لايصال رسالةٍ ما،  لجبر أو كسر خاطر شخصٍ ما..

فبكبسة زر إعجاب فقط تستطيع أن تدخل الفرحة لقلوب لا تعرفها، وتسعد آخرين بتعليق ينم عن محبة ومشاعر نبيلة، وهذا كله لا يكلفك شيئا سوى التغلب على نفسك إن منعتك، وهذا لا يمنع من تعبيرك عن عدم إعجابك بذات المنشور أو الصورة، ولكن دون أن تجرح الآخرين .

كم من قابع في ظلام مشاكله، تنير دربه كلمات بسيطة، وكم من مرتجف وسط زوابع الحياة، يشرق ربيعه مع ابتسامة عطف هامسةً "ها نحن هنا لأجلك".

في الآونة الأخيرة، حز في نفسي كثيرًا ما حدث مع السباح اللأثيوبي "روبيل هابتي" في الأولمبياد.. حيث جعله كل الناس محل سخرية واستهزاء، وذلك لأنه لا يمتلك جسما رياضيا ولديه "كرش" فلم يسلم لا من الصحف و ا من مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر كل واحد عن سخريته منه بشتى الطرق، وقد  صرح هذا الشخص لاحقا أنه منهار من الكم الهائل من الشتائم والتهكم، حتى أنه لم يعد قادرا على فتح حسابه الشخصي أو التواصل مع الآخرين.

 كل منا له أن يتخيل الحال الذي بات عليه هذا السباح، الذي بذل جهدا لا يستهان به لتحقيق حلمه، فلا شك أن الكثيرين عن قصد أو غير قصد ساهموا في تحطيم نفسية هذا الشاب. هذا دليل على أن منصات التواصل الاجتماغي لها تأثير كبير في علاقة الفرد بالآخر، و لهذا علينا حسن استخدامها لبث البسمة والفرح في قلوبنا وقلوب الآخرين، وعلينا أن نعلم أننا خلقنا للفرح والاستمتاع  بإعمار الأرض.

اجعل من تعاملاتك اليومية نورا يتسلل إلى القلوب، فيضيؤها ويدفؤها ولا تسهتن بذلك،  فكم من قابع في ظلام مشاكله، تنير دربه كلمات تشجيع بسيطة، وكم من مرتجف وسط زوابع الحياة، تشرق شمس ربيعه مع ابتسامة عطف هامسةً "ها نحن هنا لأجلك".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.