الثورة تحرمك التعليم لكنها تكسبك الوعي

blogs-التعليم بسوريا
في نقاش دار بيني وبين أحد الصحفيين الثوريين قال لي والحزن يعلو صوته أن جيل الثورة أضحى بدون تعليم، فهاهي الثورة تدخل عامها السادس والمؤشرات تدل على أن أفقها بعيد وأن مشوارها طويل.
 

تأملت في كلامه قليلا من الوقت و انطلق خيالي يجوب مدن وبلدات المناطق المحررة في سوريا يستحضر صور آلاف الأطفال الذين يفتقرون إلى التعليم، ومئات المدارس المهجورة والمهدمة جراء القصف.

ثم استحضرت وضع بلداننا العربية قبل الثورات ووضع التعليم فيها وكمية المتخرجين من دكاترة ومهندسين وأطر عليا، وأننا مع ذلك لم نستطع تحقيق أي إنجاز يذكر في مجالات التكنولوجيا و الصناعات المدنية والحربية والطب والهندسة والتعليم وغيرها من المجالات المتعددة والمتنوعة، وكيف بلغنا مستوى قياسيا في الفساد الإداري والأخلاقي.
 

الأغلبية من الجيل الذي أنتجته مدارسنا لا يدري إلى أي مدى ضاعت هويته وكيف سلبت إرادته، وحتى إن إدرك النتائج والتداعيات، غُيبت عنه الأسباب الحقيقة لهذا الانحدار.

التفت إلى الصحفي الغيور وأفصحت له عن خواطري واتفقت معه على أننا كنا متخلفين مع وجود التعليم، وأن مشكلتنا كانت من نوع آخر. مشكلتنا هي انعدام الوعي الناتج عن السياسة الممنهجة التي رسختها قوى الاحتلال وسهر على رعايتها وتطبيقها الأنظمة الوظيفية التي حكمت بلداننا لما يربو عن الستين عاما.
 

ستون عاما من الاستقلال الصوري كنا فيه محتلين ثقافيا وفكريا، مناهجنا الدراسية تأتينا من صندوق النقد الدولي وترسم لنا الخطوط الحمر في ميادين البحث العلمي والصناعات الحربية والمدنية وتنخر الرشوة والمحسوبية في عمق نظامنا الإداري وأما النظام السياسي والعسكري فهو حارس أمين لمصالح المحتل.
 

هذه الأجواء أنتجت جيلا عديم الإحساس بالمسؤولية جيلا لا يحس بالانتماء لبلده وأمته، كل همه أن يؤمن مستقبله الشخصي ولو على حساب المصلحة العامة، ولذلك صار هم معظم الشباب أن يهاجر إلى الخارج ويوظف طاقته و تحصيلاته الدراسية لخدمة البلدان الأوروبية والأمريكية فقط من أجل تحصيل راتب أعلى، أو أن يعمل في الشركات متعددة الجنسيات يخدمها طوال عمره دون كلل أو ملل ليصير رقما في صندوق الضمان الاجتماعي حين يبلغ سن التقاعد.
 

وفي أحسن الأحوال يفتح مشروعا خاصا يعود بالنفع عليه و على أسرته، وأما تطوير البلد وخدمته فلا يفكر فيه أحد بل حتى الحكام والساسة لا يريدون أن يفكر فيه أحد، ومن يشذّ عن الحالة العامة وأراد أن يأتي بنظرة تصحيحية للواقع وأن يسعى ليكون عنصرا فاعلا في التنمية يجد أمامه ألف عائق وعائق هذا إن لم ينته به الأمر في جناح المعتقلين السياسيين.
 

الأغلبية الساحقة من الجيل الذي أنتجته مدارسنا ومعاهدنا لا يدري ما يدور حوله وإلى أي مدى ضاعت هويته وكيف سلبت إرادته، وحتى إن إدرك النتائج والتداعيات، غُيبت عنه الأسباب الحقيقة لهذا الانحدار وهو يحتفل بعيد استقلال بلاده كل سنة، بل حتى مثقفونا ونخبنا أبانت عن ضحالة فكرية وعجز عن توصيف الواقع وفهمه، وسقطت في امتحان الثورات سقوطا مدويا، ووقفت مع الأنظمة الوظيفية ضد إرادة الشعوب في التحرر ومارست التضليل لقاء حفنة من الدراهم أو تحيزا لنزوات حزبية.
 

لقد عجت مدارسنا ومعاهدنا بالطلبة لمدة ستين عاما أو يزيد ولم ننتج سوى أرقاما تسهر على ضخ الأموال في الرأسمالية العالمية لتزيدها غنى وقوة، ولم ننتج سوى مفكرين متشربين لأفكار وطروحات المحتل من علمانية واشتراكية وقومية، ولم ننتج سوى مؤسسات دينية همها تخدير الناس وتعبيدهم للملك والرئيس وتحذيرهم من الثورة وتخويفهم من تبعاتها.
 

ستون عاما لم ننتج سوى مهندسين ودكاترة و أستاذة أنانيين لا يفكرون إلا في جمع الأموال وتحقيق المصلحة الخاصة. ولم يسلم من هذه الدوامة سوى بعض أصحاب الضمائر الحية على اختلاف توجهاتهم ومذاهبهم، وهي نسبة ضئيلة ظل صوتها خافتا أمام سطوة الحالة العامة .
 

لا خوف على أطفال الشام بل الخوف على أطفال باقي الدول التي لازالت تعيش تحت وطأة الأنظمة الوظيفية.

التعليم يكون غير ذي جدوى إن لم يوضع في سياقه الصحيح، ويرشد بقيادة سياسية حرة مستقلة، همها خدمة أمتها والرقي بها، وما لم تتوفر هذه القيادة وهذا التحرر فلن نتمكن من النهوض من جديد، وهذا الأمر لن يتأتى إلا بالثورة على أنظمة الفساد.
 

وكذلك المثال في سورية، فهنا تجد مجتمعا واعيا و مسؤولا يسخر طاقاته ومقدراته لخدمة قضيته العادلة، فيه الطبيب المتطوع والمهندس المتطوع والأستاذ الجامعي المتطوع والمعلم المتطوع لا يأخذون من الأجر إلا ما يسد رمقهم ويعملون بجد ونشاط للنهوض بالبلد لأن البلد صار حرا.
 

وفي هذه البيئة -بيئة الاستقلال والحرية- عندما تستقر الأوضاع سوف تصل الأمة إلى درجة الرقي بسرعة، لأن كل مكونات المجتمع تحس أن الوطن ملكها وأنها تنتمي له انتماء عضويا وتسعى لخدمته، وسوف نحقق -بإذن الله- في عشرين عاما ما لم تحققه الدول مسلوبة الإرادة في ستين عاما أو يزيد.فلا خوف على أطفال الشام بل الخوف على أطفال باقي الدول التي لازالت تعيش تحت وطأة الأنظمة الوظيفية.