شعار قسم مدونات

أساتذة غشاشون و شماعة "الدولة"

blogs- المعلمون والتعليم
"قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا"
من منا لم يتعلم، أو يعلَّم، هذا البيت منذ أول أيام الدراسة. علمونا حين كنا صغارا أن المعلم إنسان شبه مقدس، فهو ليس كباقي الناس. فالمعلم هو حامل المعرفة و"من علمني حرفا صرت له عبدا"، هكذا علمنا.

اليوم قد صرت معلما أنا أيضا، أحمل في صدري شرف و مسؤولية المنصب الذي أشغله، أرى أن "المعلم" قبل أن تكون مهنة أو مصدرا للدخل، مسؤولية عظيمة سأسأل عنها وعما قدمته من خلالها. كانت سعادتي عظيمة يوم توجهت إلى مقر عملي أول مرة ورأسي مرفوعة، فأنا أستاذ.

 الناس في وطني يلقون جميع أنواع مخلفاتهم على الطريق ثم يشكون تقصير الحكومة في ما يخص الحفاظ على نظافة الشوارع والأزقة.

وقد سعدت أكثر حين جلست في أول اجتماع بالمدرسة و أنا أرى نفسي أبادل الحديث أناسا ذوي علم ومعرفة، ظننت حينها أن كل الأساتذة في وطني يحملون نفس الهموم التي أحمل: العمل الجاد نحو تنشئة جيل التغيير الذي لطالما انتظرنا قدومه، ثم كلفت بأول مهمة، لتكون صدمتي بلا حدود.

يجري الأساتذة في المغرب امتحانات يطلق عليها اسم "امتحان الكفاءة المهنية" قصد الترقية في سلم الوظيفة العمومية، اختيرت المؤسسة التي عينت للعمل بها لاحتضان وتنظيم الإمتحان لهذه السنة. و نظرا لقلة الأطر، طلب مني، رغم حداثة عهدي بالمهنة، تأدية مهمة الحراسة أثناء تأدية الامتحان.

توجهت يوم الامتحان إلى المؤسسة وكل ما يجول ببالي هو إتمام المهمة التي كلفت بها على أحسن وجه. كنت أعلم أني سأحرس أساتذة، لذلك كنت أرى أن مهمتي ستكون يسيرة ولن تتطلب كثيرا من العناء.

حين ولجت قاعة الامتحان لاحظت أن بعض الأساتذة شرعوا بالضحك، لم يكن الأمر يتطلب كثيرا من الذكاء لأفهم سبب ضحكهم.كان الأساتذة يضحكون لحداثة سني ولفرق السنوات بيني و بينهم. توجهت نحو المكتب حيث وضعت محفظتي وهاتفي بعد أن أغلقته ثم شرعت في توزيع أوراق الامتحان.

بعد أن فرغت من عملية التوزيع شرع الأساتذة في قراءة أوراق الامتحان، بعد مدة ليست بالطويلة بدأ عدد قليل منهم في الإجابة في ما أن الأغلبية لا زالوا يحاولون فك رموز الورقة التي أمامهم. لفت انتباهي منظر ثلاثة أساتذة يبدو عليهم أنهم في الأربعينيات إذ أخذوا يلتفتون هنا وهنالك ويغمز أحدهم للآخر. تساءلت هل من المعقول أن يحاول هؤلاء الأساتذة الغش خاصة وأني قرأت الامتحان ولم أجده صعبا على الإطلاق، ثم إن الامتحان يتعلق بأمور يجب على كل معلم أن يعرفها فكيف لهؤلاء أن يجهلوها.

حاولت ألا أفكر في الأمر كثيرا، وشغلت نفسي بإتمام ملء بعض المحاضر والتقارير الخاصة بالمهمة المسندة إلي،  بعد أن انتهيت من ملء الأوراق، غادرت المكتب لألقي نظرة على سير الأمور، وإذ بي ألاحظ أن أحد الأساتذة قد أخرج هاتفه النقال، مع العلم أن استعمال الهاتف ممنوع أثناء فترة الامتحان، ثم أخذ ينقر على الشاشة في تجاهل تام لكل من حوله.

ذهبت إليه و إذا بعيني تلمح تعريفا لمفهوم "التعلم" على الشاشة، طلبت منه أن يقوم بإزالة الهاتف و أن يركز في ورقته. بعد مدة لاحظت أنه ليس الوحيد الذي كان يحاول الغش، فقد تفنن أغلب الأساتذة في محاولاتهم للظفر بتعريف من هنا أو إجابة من هناك. بعد مرور دقائق، علمت أن ما ظننته يسيرا لم يكن كما ظننت وأن علي أن أبذل جهدا مضاعفا.

بعد ما لاحظت أن الأغلبية لا يأبهون بأبسط أخلاقيات المكانة التي يشغلونها، كنت أتساءل عن الدوافع التي دعتهم لأن لا يحضروا لامتحان أقل ما يقال عنه أنه بسيط. وكيف لأساتذة مطالبين بتنشئة أجيال على الأخلاق وتربيتهم على حس المسؤولية أن يغشوا. كنت أحتاج لإجابات على تساؤلاتي، لذلك حاولت مجادبة بعضهم الحديث.

إذا كان الأساتذة في أوطاننا العربية يغشون، فلا عجب أن أمتنا تعاني من التخلف والجهل ما تعاني!

ما أثارني أن كل من حدثهم كانوا يبررون سلوكهم بتبريرات متشابهة. فقد كانوا يرون أن غشهم مبرر لأن الحكومة أو الدولة لا توفر لهم ظروف عمل لائقة. بالتالي، فكل ما يهمهم هو الترقية وزيادة الرواتب بأي طريقة كانت، أما التلاميذ فلا مكان لهم في هذه المعادلة. التبريرات التي أتى بها الأساتذة، للأسف، لا تختلف عما يأتي به عموم الشعب حين تحاول أن تطالبهم بتقويم بعض السلوكات.

للأسف، الناس في وطني يلقون جميع أنواع مخلفاتهم على الطريق ثم يشكون تقصير الحكومة في ما يخص الحفاظ على نظافة الشوارع و الأزقة. مثال النظافة هو واحد من كثير من الأمثلة المشابهة، لكن كل هذه الأمثلة ليست على نفس الدرجة من البؤس التي عليها جنوح أساتذة للغش.

هؤلاء الأساتذة هم أنفسهم الذين يتفننون في معاقبة تلامذتهم إذا ما ضبطوا أحدهم يحاول أن يغش. وأنا أكتب هذه الكلمات بعد ما يزيد عن أسبوع عن "الحادثة"، لازلت لا أفهم كيف لإنسان من المفروض أن يزرع في أبناء أمتنا القيم والأخلاق الرفيعة أن يخول لنفسه أن يغش، ثم يبرر غشه بحجج واهية. إذا كان الأساتذة في كل أوطاننا العربية يفكرون بنفس الطريقة، فلا عجب أن أمتنا تعاني من التخلف و الجهل ما تعاني.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.