فارٌّ من الزّحف

blogs - syria

19شباط 2014، السادسة فجراً، سهل رنكوس، شمال دمشق.
وضبّتُ حقيبتي الصغيرة، كاميرتي، حاسوبي المحمول، ودعتُ الأصحاب في اللواء بالجيش الحرّ الذين كنتُ ضيفهم طيلة شهر بعد إعلامهم نيّتي المغادرة صوب الحدود مع لبنان.
 

كانت معركة يَبرود قد بدأت منذ أسبوع، حشدت مليشيات حزب الله ونظيراتها العراقية وقوات الطاغية نخبة مقاتليها للمعركة، وكان الطابور الخامس الذي يرتدي زيّ الثوار قد بدأ يكشف عن نفسه علانية شيئاً فشيئاً مع كل تقدمٍ يحرزه العدوّ.

التصق بنا وصف "ناشط" حتى بات كمهنة ثورية، فلو سُألتَ عن مهنتك أو دورك في الثورة يمكنك أن تقول "ناشط".

لم أكن أجد أني أضيف شيئاً للمعركة هناك، لقد بات قلبي خارج أسوار وطني، أريد أن أخرج لأرى أهلي ويروني بعد استشهاد إخوتي، وأريد أن أنقذ خطوبتي، وأن أتنفس لبرهة، ثم يمكنني أن أعود كما يعود غيري، ألستُ أنا من أكثر الداعين لعودة من خرج ؟
 

ومع أغراضي، حملتُ في ذهني مشروعاً ضخماً، رتبته على مدى عامين، ما كان ممكناً تنفيذه على أرض الواقع في ظل الحصار والهروب والقصف، وهو الذي يحتاج إلى مكان آمن، وفريق متفرغ محترف، وإنترنت سريعة ومفتوحة ودائمة، وتمويلاً، أوهمتُ نفسي أني حين أخرج سأعمل عليه ويكون "جهادي ومعركتي".

ودعتُ الشباب، ومضيتُ بصحبة أخ أرشدني الطريق، أوقفنا حافلة كانت مارّة صدفة هناك علها توصلها إلى نقطة قريبة، صعدنا وجلسنا في مقاعد فارغة بالخلف.
سألَنا أحدهم مبتسماً: "وين رايحين الشباب؟"
أجاب صاحبي: ع فليطة، الشب دربه ع عرسال
استدار الركاب إليّ وحملقوا بي، قال أحدهم بازدراء: "فارّ من الزحف"!
 

وعندما نزلنا في بلدة "فليطة"، انتظرنا طويلاً حتى وجدنا سيارة تقلنا إلى الحدود المباشرة مع عرسال اللبنانية، وأثناء انتظارنا، كان الناس يسألوننا عن مسيرنا، كون وجوهنا جديدة عليهم، فكلما أخبرناهم بوجهتنا تجهموا وقطبوا حواجبهم، ولسان حالهم يكرر العبارة ذاتها التي بدأت تطنّ في رأسي: "فارٌّ من الزّحف".. "لماذا تهربون وتتركوننا"؟
 

في الداخل السوريّ الذي صمدتُ فيه رغبة وثورة طيلة ثلاث سنوات كاملات من "الزحف"، نَنظرُ للنشطاء دائماً نظرة تقدير استثنائية من قبل الجميع، بمن فيهم مقاتلي الفصائل، ولا أذكر أنْ حُقرت مهمتنا أو طريقتنا الغير نارية بالقتال، كـ"ناشطين إعلاميين".
التصق بنا وصف "ناشط" حتى بات كمهنة ثورية، فلو سُألتَ عن مهنتك أو دورك في الثورة يمكنك أن تقول "ناشط".
 

اليوم، بعد أكثر من عامين ونيّف على ذلك الفرار، واستقراري في تركيا، ما تزال تلك العبارة تقرع رأسي، وما يزال يقال عني "ناشط"، بالرغم من أني لا أقدم للثورة شيء، أدنى شيء.
 

أحسّ كما لو أنيّ وقعت في الفخّ !
الحياة في إسطنبول (مثلاً) على فساحتها، أضيق من أن تسمح لك بالبحث عن غير لقمة عيشك، والعناية بمن هم تحت مسؤوليتك وتأمين حياة كريمة لهم، لا يخضعون فيها لكرم الجمعيات الخيرية، أو انتظار حسنة فلان وعلان.
 

في الداخل، أنت لا تسأل عن أهلك الذين نزحوا خارج البلاد عقب المجزرة، تحدث نفسك " إنهم بخير حتماً، في تركيا (أو لبنان أو الأردن) لا يوجد قصف ولا براميل متفجرة".
"ما أدراك ؟! ربما تكون البراميل أرحم من اللئيم، أقلّه أنها تقتلك مرة واحدة".

في كل يوم أخوض هذه المعركة في داخلي، لا يمر يوم تقريباً إلا وأهَمهِم هذا النقاش مع نفسي، أفوز مرة وتفوز أخرى، أنتصر في معركة وأخسر جولات.
 

أؤمن أنْ الثابتين في داخل سوريا عن قناعة ورغبة ومحبة هم أقدس أهل الأرض، حتى لو كان ما يفعلونه هو مجرد البقاء.

ما الذي أقدمه للثورة غير بوستات فيسبوك؟ وتغريدات تويتر؟ ونقاشات بيزنطية عن الفصائل والنصرة وداعش والتهكم على الانسحابات التكتيكية؟
ما الذي يمكنني تقديمه؟ غير الدعاء، وقليل المال، وإظهار التعاطف مع الصور والأرقام والقصص؟
هل أترك عائلتي وأمضي للداخل لأثبت أني أقدم شيئاً؟
هل أذهب بزوجتي وطفلي إلى تحت القصف لأكون مع من يموت؟
ماذا لو لم أخرج، ما حال أهلي وأين أكون الآن؟
ما أثر ما كنتُ أضفته فيما لو بقيت، وسط هذه الملحمة المفتوحة على امتداد الجغرافيا والتاريخ والناس؟
 

أؤمن أنْ الثابتين في داخل سوريا عن قناعة ورغبة ومحبة هم أقدس أهل الأرض، حتى لو كان ما يفعلونه هو مجرد البقاء، البقاء حتى لا يستفرد الشبيح بشار الأسد وطائفته ومرتزقته الفرس والروس بأرضنا.
أؤمن أنْ الثابتين لأجل الثبات هم حبل نجدتنا الأخير، مشيمتنا اللصيقة حتى لا نُستبدل بآخرين أغراب.
 

فارّ من الزّحف؟
بلى؛ حتى أعود.
ومعذرة إلى الله لضعفنا وعجرنا، وإلى الناس عن هذا الخذلان.