شعار قسم مدونات

موسكو قريبة لكن واشنطن أقرب

blogs - mosco USA

قد تبدو المواجهة الأمريكية الروسية في الأزمة السورية عند النظرة الأولى شبيهة بتلك الدائرة بين حلف الشمال الأطلسي وروسيا، في الدول التي تمثل المنطقة العازلة بين الفريقين. أمريكا لم يكن لديها مبرر كافي للتدخل وحماية دولة كأوكرانيا من توغل الروس في القرم، وليس لديها حافز كافي لضمهم للحلف.

وفي ذات الوقت موسكو لا تستطيع السماح للغرب بأن يبسطوا نفوذهم على كل المناطق التي كانت تمثل يوماً ما جزءً من الاتحاد السوفيتي وليس لديها مبرر كافي للتوغل حتى مع استفزازات الأطلسي-على حد تعبيرهم-لكن الحكومة الأوكرانية وقعت بالفخ وألغت اللغة الروسية كلغة رسمية للبلاد في عام 2014 بعد بداية الثورة واعتبرت اللغة الأوكرانية اللغة الوحيدة المعترف بها على الرغم من أن حوالي ثلاثين بالمئة من السكان يتحدثون الروسية كلغة أم حسب إحصائيات عام 2002.
 

فلاديمير بوتين على طبيعة الحال اعتبر هذا القرار موجه ضد العرق الروسي ودعا البرلمان بالسماح للجيش بالتغول بدولة خارجية لحماية حقوق المضطهدين واستطاع بعد إجراء إستفتاء صوري بسط سيطرته على شبه الجزيرة الاستراتيجية التي تمثل الميناء الدافئ الوحيد وتتيح إطلالة أكبر على البحر الأسود الهام جداً. أما بالنسبة للموالون للغرب في أوكرانيا وجاراتها فهم يعون حقيقة مهمة وهي "موسكو قريبة وواشنطن بعيدة".

 

بعد النظر إلى الدور الأمريكي في سوريا وتاريخ تدخلها المباشر جوياً ولوجستياً مقارنة بتاريخ التدخل الروسي سندرك أن تلك الحقيقة لا تنطبق على الحالة السورية فإذا كانت روسيا قريبة بقواعدها العسكرية في طرطوس وحميم فأمريكا أقرب، فتمتلك الأخيرة قاعدتان عسكريتان ولديها حرية استخدام قواعد في تركيا. وكما أن روسيا لديها قوات في الأرض متمثلة بما تبقى من الجيش "السوري" والكثير من المليشيات الطائفية.
 

السياسة الأمريكية لا تنظر إلى وجهة نظر إسرائيل فحسب، إنما تدعمها دعماً مادياً وعسكرياً ودبلوماسياً أكثر من أي كيان في الشرق الأوسط والعالم

"

فأمريكا توفر الغطاء الجوي لقوات سوريا الديمقراطية التي يمثل الأكراد الأغلبية الساحقة فيها والعلم الأمريكي مرفوع على أراضيها كما شاهدنا في العديد من المناطق التي تخضع للسيطرة الكردية كمنطقة تل أبيض على سبيل المثال. لكن السؤال المطروح هو هل فعلاً هناك صدام بوجهات النظر والأهداف بين الولايات المتحدة وروسيا؟ وهل فعلاً سوريا ماهي إلا ساحة للصراع بين الدول العظمى؟
 

الأمر الذي نستطيع اقراره وبثقة عالية هو عدم رغبة المجتمع الدولي بالحسم سواءً لقوى الثورة أو النظام الآثم، فلو أراد فعلاً إسقاط النظام -كما يدعي-لفرض حظراً جويا كما فعل في ليبيا في بداية الربيع العربي على سبيل المثال أو تدخل تدخلاً مباشراً لحماية حقوق الإنسان ونزع السلاح الكيماوي كما حصل في العراق عام 2003 -على الرغم من علمهم بحقيقة عدم وجود أسلحة دمار شامل-أو ببساطة توفير مضادات الدفاع الجوي المحمولة على الكتف كما وفرها لمجاهدي أفغانستان في حربهم ضد الحكومة الشيوعية والإتحاد السوفيتي. ولو أراد المجتمع الدولي إضعاف الثورة لاستطاع، بإغلاق الحدود التركية عندما بدأت موجة دخول الجهاديين إلى البلاد.
 

بلا أدنى شك، الدافع الواضح لكلا الطرفين بالتنسيق والعمل المشترك بدل الصدام -كما يحاول البعض تصويره- هو رعاية مصالح إسرائيل، فمن المعلوم أن السياسة الأمريكية لا تنظر إلى وجهة نظر إسرائيل فحسب، إنما تدعمها دعماً مادياً وعسكرياً ودبلوماسياً أكثر من أي كيان في الشرق الأوسط والعالم، وحزمة المساعدات العسكرية الأكبر المعلن عنها قريبا ما هي إلا دليل متجدد لهذا الدعم.
 

وعند النظر إلى تسلسل الأحداث قبيل التدخل الروسي، نلمس تنسيق كبير مع إسرائيل. من المضحك أن نرى بعض الصحف السورية أو الإيرانية تدعي أن إسرائيل عدو للحلف الروسي-الإيراني-الأسدي، حتى أن صحفية تسنيم الإيرانية المرتبطة بالحرس الثوري كتبت أن "الأسد أخبر بوتين أن الجيش السوري سيرد بحزم على الاستفزازات والضربات الجوية الإسرائيلية".
 

إستناداً على الروابط التاريخية بين واشنطن وتل أبيب، أستطيع القول وأنا مطمئن "موسكو قريبة من الصراع لكن واشنطن أقرب".

"

هذا كله بسيط، الأدهى هو إعلان بعض المهرجين أن الجيش "العربي السوري" أسقط طائرتان إسرائيليتان بمضادات أرضية، فكان رد النشطاء على هذا الادعاء سريع وقوي عندما نشروا صور طائرات ورقية ملقاه على الأرض وكتبوا "حطام الطائرة".
 

إذاً حقيقة تدخل الولايات المتحدة في الأزمة منذ اليوم الأول عندما أعلن الرئيس أوباما في عام 2011 أن الأسد يجب أن يتنحى ووضع العديد من العقوبات من ضمنها حضر إستيراد النفط يجب ألا تغيب عن المتابع. حدة تلك المطالبات وجدية المجتمع الدولي بدأت بالنزول منذ ذلك اليوم بشكل متسارع، حتى أصبحت أوضح من الشمس عندما تجاوز الأسد كل الخطوط الحمراء التي تحدث عنها أوباما والمجتمع الدولي.
 

ومع تدخل الروس تدخلاً مباشراً صار التنسيق بين الفريقين في أعلى مستوياته. يجب أن نتساءل ماهي المصالح المشتركة؟ ألا تعدوا كونها الحرص على أستمرار عدم الأستقرار في المنطقة وتقوية شوكة إسرائيل وإستنزاف دول الخليج وإيران وتركيا؟ إستناداً على الروابط التاريخية بين واشنطن وتل أبيب، أستطيع القول وأنا مطمئن "موسكو قريبة من الصراع لكن واشنطن أقرب".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.