صناعة الجنون

في طبيب للامراض العقلية باندونيسيا

و هو يقلب وريقات كتيب متنوع المواضيع وقع نظره على موضوع خط باللون اﻷحمر وعنون بـ "أعراض اﻷمراض النفسية الشائعة لدى الرجال" فأخذ يحدق ذعرا ثم لف ساقا على ساق و نفث نفسا عميقاً و تابع و أرخى بظهره إلى الوراء وسحب نفسا، وهم يقرأ أن أعراض المرض الفلاني اﻷكثر شيوعاً لدى جنس آدم الصمت الطويل و التحدث الكثير الفارغ و النميمة و النفاق و الكلام المزدوج و المختلط و المفكك و الثقة العمياء و الدجل و اﻷنانية و عدم مخاطبة الذات اﻵخر و النرجسية.

وعرف ساعتها أنه مصاب بالمرض ذاته و من خوفه أن يقع هذا الكتيب بيد زوجته فتعرف اسما لمرضه فتعيره أو يصدق حدسها بأنه مريضا كما رآها توحي له ذات مرة بإشارة و هي صامتة غاضبة.

أشعله بولاعته الخاصة بعلبة "الدخان الشرقي الفاخر" و أطفئ على رماده جمر سيجارته و نفض غباره مع مهب الريح و قام يصنع القهوة التركية ذات الطراز الرفيع، ثم جلس بثقة وتعال و صنع لجلسته هالة من الكبر،  بات كطبيب حاذق ماهر يغمرها باﻷسئلة؛ بماذا تحلمين؟ ماذا تريدين؟ كيف؟ و ماذا؟

 

دعاها ﻷول مرة منذ زواجهما … لاحتساء القهوة على الشرفة و كان ﻷول مرة يصنع القهوة لوحده

طار قلب المسكينة فرحا ومن شدة سعادتها لم تكن لتعلم كيف تجيب، تعتعت و تلعثمت  نزلت دمعة من عينها، وأصاب الزكام أنفها الصغير المحمر من شدة برود الجو.

وأجهشت بالبكاء وهو يسألها هل قهوته لذيذة وما عرفت أي كلام غزلي تصيغه وتنسجه فيها و يكفي أنها من بركته وسحر يديه المباركتين و من صنع يديه الناعمتين "كالخيار المقشر" (كما كانت تقول جدتي عندما تصافح رجلا ضعيف البنية لم تدعكه الحياة و هي التي تصلبت كفاها من قسوة الزمن).

وبعد جلسة دامت ساعة ونصف، كانت من أطول جلسات الرومانسية التي يقضيانها معا تبين له أن زوجته تلعثمت، فهي مصابة بمرض نفسي لا يصيب إلا الرجال، وأنها بكت فهي مصابة بالاكتئاب، ووصفت يديه القذرتين بالمباركتين فهي مصابة بالوسواس القهري.

ودأب منذ ذلك الحين إن هي همت بالكلام، قال لها تكلمي كلاما متواصلا مترابطا، أنت تتلعثمين كثيرا، وهي ليست كما يدعي.. أنت لديك أعراض اﻷمراض النفسية، ومن خلال دس السم بالعسل كما يقال وطيب معاملته التي تحتوي في جنبيها خبثا صدقته، وجنت "الحزينة" و توهمت مرضا لم يصبها ولا تشكو منه.

عندها صعد لأعلى بيته و هو ينظر للعالم من حوله متجبرا وكأنه  "خلق" وقال" كن فكان" ومانزل إلا لحذاء امرأة قبيحة ذميمة داهية ماكرة اختارها على زوجته الطيبة "و صنع لنفسه الذريعة و التبرير".

لكن ما لم يكن يعرف أنها عالمة نفس قد درست وقرأت كل علوم النفس وسوف تسيره بين يديها حيث تشاء و تلصق به الجنون والعافية متى أرادت…
إنها مذكرات زوجة مسكينة