الخديعة الكبرى!

تساءلت هل حقاً نعيش عالماً حقيقياً؟ عالم يمتلك فيه الإنسان حريته وإرادته، أم أننا معزولون في فقاعة كبيرة، كما في فيلم "ذا آيلاند The Island"، مبرمَجون وفق ما يريد الملأ الذين يمتلكون أعتى قوى الخداع والزيف، فمن يقول إننا نعيش عالماً حراً؟

هناك تفاوت بين هنا وهناك، شرقاً وغرباً فيما يخصّ الحرية.. نعم ولكن الأمر يبقى نسبياً لا أكثر وتبقى الحقيقة الأكثر إيلاما أننا نعيش داخل فقاعة من الخديعة الكبرى! فقاعة تتلألأ فيها الأضواء.. ويبهر بريق الأشياء العيون، أجساد ناعمة تسوّق.. إعلانات تختطف الأبصار..

نعيش عالماً من الاستعباد ولكن بطريقة مختلفة أكثر حداثية.. لم يعد هناك صنمٌ لهبل أو لآلهة الرومان أو لنار المجوس، وإنما أصنام من أشياء أخرى أكثر قدرة على المراوغة والخداع وتسكير الأبصار والبصائر!

نعيش عالما من الاستعباد لكن بطريقة أكثر حداثية فلم يعد هناك صنمٌ لهبل أو لآلهة الرومان وإنما أصنام أكثر قدرة على المراوغة والخداع

أصنام لا نشعر بها وهي تتغلغل في أعماقنا، تشكل قيمنا وأخلاقنا وتصوراتنا وتوجّه سلوكنا. والحقيقة أن البشرية عبر تاريخا الطويل كان يعيش داخل هذه الفقاعة، لم يستطع الإفلات منها إلا في لحظات الاستجابة للنداء الإلهي، حينها ركّبوا على أعينهم عدسات جديدة ترى الأمور بوضوح، وباتوا يبصرون ما لا يبصره الآخرون.. قد يبدون حينها غرباء.. بل هم كذلك.

لكنهم في النهاية أصحاب الرؤية الصادقة الصافية، وربما هذا ما يفسر لنا ذلك التمسك العنيد بقيمهم ومبادئهم، بل والتماسك بهما لمواجهة ظروفاً يبدو تحملها شيئاً من الخيال، لكنهم تحملوها فعلاً وخرجوا منها أقوى من ذي قبل!

على مدار التاريخ الطويل، كان البشر يمشون في الأرض كالأموات الأحياء كما في أفلام الرعب.. كان القلب ينبض والدماء تتدفق والخلايا تتجدد، ولكن دونما جدوى.. كان القلب والخلايا مجرد آلات صماء.. لا روح فيها..

بدأت الأنفاس تتصاعد بحرارة هذه المرة، بدأ القلب ينبض وهو يضخّ القيم والروح مع الدماء، بدأت العينان تبصران ألواناً جديدة  وتراكيب جديدة.. مفاهيم جديدة.. نورا.. كان ذلك عندما أنصت ذلك الإنسان لصوت الوحي الإلهي وصار يبني فكره وعقله وسلوكه عليه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ".

على مدار التاريخ كان الإنسان ضائعاً، إلا في لحظة الاستجابة تلك لحظة الخروج من الفقاعة والانفلات منها.. وعلى مدار التاريخ، كانت أقوى استجابة، وأشدها إنفلاتاً من ضغط تلك الفقاعة الخادعة، على يد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.

مثنى وفرادى.. ها هم ينسحبون بكل قوة وشجاعة، بكل إصرارٍ وتحدٍ، يمزقون ستر الغشاوة والظلام المطبق، يبصرون النور، يتحدون معه..ثمّ يملؤون الأرض نوراً..ولكن مع الأسف شيئاً فشيئاً عدنا ندخل الفقاعة مرةً أخرى..

كان دورنا أن نجلس هناك في خارجها ونسحب من نستطيع سحبه منها، أن نخرجه من جحر الضبّ، لنريه أن هناك عالماً أكثر سعة وأكثر ضوءاً وأسطع حقيقة..كان هذا دورنا.. ولكن لم ندخل الفقاعة ثانية فحسب، بل صرنا نحجز مركزها العميق السحيق!

من يقول إننا نعيش عالماً حراً؟ ألسنا نعيش عصر إسكات العقل والقلب، وتقديمهما قرباناً في مذبح الغريزة الحيوانية؟ ألسنا مخدوعين بالإعلام وأضوائه البرّاقة.. بالاستهلاك والتسوق وتكديس الأشياء، ما نحتاجها وما لا نحتاجها، واللهاث وراء التخفيضات الموسمية؟!

ألسنا نرى السعادة بيتاً وسيارة وزوجة تشبه فتيات الإعلانات؟ إن الحقائق في واقع الأمر صادمة، عندما تكتشف أنك واقع في شباك التزوير والخداع.. ستحاول فتح عينيك لعلّك مخطئ ستفركهما.. لكن عليك أن تواجه الحقيقة فإنكارها لن يحلّ المشكلة بل يزيدها إشكالاً.

نعم.. ستكتشف أنك تعيش تزويراً عبقرياً مثلا: ستكتشف أن الديمقراطية ليست هي أن تدير الجماهير شؤونهم تحت مظلة إعلام حرّ منفتح، بل هي كما يقول ناعوم تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام" أن "يمنع العامة من إدارة شؤونهم وكذا من إدارة وسائل الإعلام التي يجب أن تظل تحت السيطرة المتشددة".

إنها لعبة متقنة ككل اللعب الأخرى، يسيطر فيها الملأ على وسائل الإعلام وشركات عابرة القارات وجماعات الضغط (اللوبي) ورؤوس الأموال، والرأي العام! وستكتشف أن البكاء على محدودية الموارد الطبيعية مجرد كذبة خبيثة.

سيرددون لك مقالة توماس روبرت مالتوس على أن أعداد السكان في العالم تميل إلى الزيادة، بينما كميات الطعام تقل، وهم في الحقيقة يريدون أن يمسكوا على زمام الاقتصاد والسوق من جهة، وقتل الأبرياء من جهة أخرى.. فلا بأس بموت قسمٌ من الناس الزائدين لعيش القسم الآخر برفاهية!

ولا تتصور أنك سترفض هذا المفهوم، فإنهم يمتلكون أدواتاً تجعلك تتقبل الأمر بسهولة وبراحة ضميرٍ أيضاً، فهل تريد أن تبقى وأولادك في مجاعة مهلكة؟

ستكتشف أن الإعلام يلعب أخطر وسيلة في تغيير نمط الحياة بالكامل، وإدخال المشاهد في حالة غيبوبة دائمة، فمن جهة يحشر في عقل وقلب المشاهد رسالة مفادها أن القيمة الاساسية في الحياة هي أن يتوفر لديك أكبر كمية من السلع، وأن تتبنى قيماً لطيفة مثل التناغم والهوية الأمريكية، كما يقول تشومسكي، في تطبيعٍ صارخ مع المادية.

وما عليك إلا أن تشاهد فتاة الإعلانات الجذابة وهي تعرض منتجاتها مع مفاتنها، وثمّ.. ما عليك سوى الركض مباشرة لشراء ذلك المنتج، إن كنت تحتاجه أم لا! فالمواطن اليوم ليس مستهلكاً فحسب، بل هو مستهلك مخدوع متخبّط، مغسول الدماغ، جاهز للدخول في العبوددية!

دفن الإناث أحياء لم يكن من عادة بعض العرب، بل هو ثقافة وأخلاق العصر الحديث يئد الإناث والذكور معا في أشد لحظاتهم براءة وطهرا ونقاء

ستكتشف أن القلق والخوف أصبحا صناعة، فتحت إشاعات الإرهاب والإرهاب المحتمل تتم السيطرة على القطيع، وإذا خاف المرء صار أكثر قدرة على التنازل والتضحية بحقوقه وخصوصياته!

ومن السهل على المرء قبول تضحية مستقبلية بدل تضحية عاجلة، كما يقول تشومسكي، فالمواطن الأميركي سيقبل أن يتنازل شيئاً من حريته وحقوقه على أن يأمن على نفسه داخل منزله من طائرة يقودها إرهابيون.. كما سيقبل المواطن العربي أن يقسم وطنه ـ المقسم أصلاً ـ إلى شظايا من أجل أن يحظى براحة البال ومستقبل أفضل كما يتوهم!

ستكتشف أن دفن الإناث وهم أحياء لم يكن من عادة بعض العرب، بل هو ثقافة وأخلاق العصر الحديث.. عصر التنوير والإنسانية، الذي يئد الإناث والذكور معا في أشد لحظاتهم براءةً وطهراً ونقاءً.. الطفولة..

إن ثمود الذين عقروا من قبل ناقة الله، يعود لعقر البشر.. حياته، كرامته.. حريته، إنسانيته.. يساومه على حياته ووجوده مقابل كسرة خبز! إننا نعيش حرب الجميع ضد الجميع، كما يقول روجيه غارودي في كتابه "حفارو القبور".

وكما يقول شكسبير في"الملك لير" هنا العالم الذي يحكم المجانين فيه العميان.. ستكتشف الكثير و الكثير، ولكن عليك أن تبدأ محاولة الخروج من الفقاعة أولاً، أن تنفلت من أحابيلها وأكاذيبها..عليك أن تجلس خارجها لتراها على حقيقتها..فالمرء يرى العالم بوضوح وعلى حقيقته من خارج تلك الفقاعة!



حول هذه القصة

الأهداف الحقيقية وراء كتاب الخديعة الكبرى، تورط جهات داخلية في تدمير مبنى البنتاغون، تفجير برجي نيويورك.. أسبابه ومدبروه، تورط الحكومة الأميركية في إخفاء حقيقة التفجيرات، بن لادن بين تفجيرات سبتمبر وتورطه مع CIA، كتاب الخديعة الكبرى والتشويش الفرنسي على الأميركان.

الكاتب فهمي هويدي يقطع الشك باليقين ويصدر حكمه الواضح بأننا لا صمدنا ولا تصدينا في المعركة الإعلامية التي صاحبت العدوان الإسرائيلي على غزة, مؤكدا أن هذه الحرب الموازية لم تستنفر سوى بعض الباحثين الغربيين في وقت سقط إعلامنا في فخ الخديعة.

في هذا الكتاب الغني بالمعلومات التاريخية والتحليل السياسي المعمّق، وبمشاهد من جولات سياسية، يستعرض الخالدي رحلة سبعة عقود من الصراع المستعر بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل.

14/6/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة