على شاطئ الأدب

blogs - books

كنت أرى أن الشعر تَرّفع على قلوب الناس وهمومهم وأشواقهم، وأصبح ككثير من الأشياء التي احتازها ناس دون ناس، وما هكذا وظيفة الأدب ! إن كان العلم دقيقا، فالفن – ومنه الأدب – صادقٌ كما يقول بيجوفتش، أي هو انعكاس لما في حياة الناس من كل شيء حزين أو سعيد، حقير أو كبير، دميم أو جميل، لكنه انعكاس يعلو ويسفل بقدر إبداع صاحبه وموهبته.

ا نريد أكثر من تأميم الجمال وتذوقه (أو شعبنته) كما عند نزار، أو تعرية الاستبداد وسكب نقده في قوالب خفيفة ذكية مبدعة مكبسلة كما عند مطر؟!

وأظن أن تأثير الحداثة الغربية في الأدب هو السبب الفذ الذي التَوت به نفوس الكثير من أهل الأدب، إن العالم الغربي مارد جبّار، إن نصره الحضاري ونهضته الفلسفية والعلمية والصناعية طوت عوالم كثيرة في تلافيفها، وطبعت الأذواق الذاتية والجمالية للأمم بطابعها، وحددت سلفا آفاق نظرها وذوقها، وبحثها ومذاهبها .

وهذا تفسير على عجل لتطابق المذاهب الأدبية والفكرية عندنا وعندهم، فالواقعية بالواقعية، والرومنسية بالرومنسية، والسريالية بالسريالية… إلخ، أسماء كثيرة سوّدت فيها صفائح غفيرة. وقد يقول قائل إن الإنسان واحد، ولابد من هذه المشتركات.. أقول نعم، ولكن الذي حصل لم يكن كذلك، بل هو تبعية صارخة، ينكرها كثيرٌ من المهتمين بهذا الشأن، لأن الأمر يتعلق بنظرة حياة، وموقف من الوجود كله والتراث والحداثة والنهضة والتغيير، أي إن الأدب ليس معزولا عن كل ذلك.

والحداثة الأوربية لم تكن حداثةً أدبية فقط، بل صيرورة تاريخية التهمت كل آفاق الحياة، وصنعت إنساناً جديداً، وعلوماً ومفاهيم جديدة، وليس الأدب بمنأى عنها بل لعله مطية ورئة تنفست به كل تلك المذاهب الفلسفية التي أنتجت حياة مختلفة فيما بعد.

فوجودية سارتر- كما يقول الأستاذ خالد يوسف في كتابه: من الأدب الفلسفي، ظهرت للناس من خلال روايته ومسرحه أكثر بكثير من كتابه الفلسفي المحض: الوجود والعدم، إذن إن أدبنا في تبعيته تلك، تنكّر لمجتمعاته، ولا أحب المبالغة هنا أو وصم المرحلة كلها بهذه السمة، لكننا لن نختلف أن الشعر خاصة، طار وطار في فضاءات غريبة ولم يعد يتبيّنه مبتغوه، أصبح عزيزاً على كثير من القلوب، الظمأى لرشفة سهلة عاجلة.

وهذه الأرضية أعلاه هي التي تفسر لماذا يرى البعض أن نزار قباني وأحمد مطر، سطحيان مبتذلان ! هذان العملاقان اللذان حوّلا الشعر إلى رغيف خبز ساخن يلتهمه أي إنسان، بمواضيع حية قريبة سهلة، تتشربها القلوب بكل جمال وبساطة، ماذا نريد أكثر من تأميم الجمال وتذوقه (أو شعبنته) كما عند نزار، أو تعرية الاستبداد وسكب نقده في قوالب خفيفة ذكية مبدعة مكبسلة كما عند مطر؟!
 

إذا أردت أن تلهتم فكرتك قلوب الملايين، ما عليك إلا أن تستعين بالأدب بكل فنونه، أن تحوله شكلاً مرأياً أو مسموعاً، أن تزيد مساحة منافذه التي تخاطب حواس الإنسان

إن الأوربيين إبان نهضتهم كان أحد وسائلهم هو (تبسيط العلوم) لذلك لجأوا إلى عمل الموسوعات، وتيسير المعارف لإكسابها حساسية جماهيرية واسعة للنهوض بالناس كافة، لذا ارتفع الوعي وأصبح العلم ظاهرة ثقافية مجتمعية رغم أن العلم أكثر تخصصية وتعقيداً.

أما قومنا أو بعضهم، حوّلوا الفن إلى حالة نخبوية ضيقة، تتنكر لكثير من الناس، وتنزوي في بلاط الخاصة، وما أودنيس ومن هم في ركبه عنكم ببعيد. إن الحالة النزارية المطرية حالة ساحرة عندي، زادها سحراً أن تقتنصها الموسيقى والغناء، ليقدم القيصر العراقي العملاق كاظم الساهر، أروع نموذج ملهم، يمزج فخامة اللغة بفخامة اللحن، ليتحد الإنسان والآلة، ويقدما لنا تلك الأعمال الجمالية المبهرة التي تتكسر لها الروح تأثراً لكاظم فضلٌ كبير على اللغة الفصيحة والشعر لأنه عضد الظاهرة النزارية وجعلها أكثر قوة وانتشارا، ولا شك أنه وجد في نزار ضالته للأسباب التي ذكرتها آنفا.

إذا أردت أن تلهتم فكرتك قلوب الملايين، ما عليك إلا أن تستعين بالأدب بكل فنونه، أن تحوله شكلاً مرأياً أو مسموعاً، أن تزيد مساحة منافذه التي تخاطب حواس الإنسان. أن تنقله من تجريد اللغة إلى سطوة الصورة والصوت، فليس غريباً أن يكون أسلوب التصوير الفني هو الأسلوب القرآني العتيد، وقد سطر سيد قطب رحمه الله كل ذلك في نظريته الشهيرة (التصوير الفني في القرآن)، هذا بعض مما في نفسي.

أختم بأبيات نزار:
يعانق الشرق أشعاري، ويلعنها
فألف شكر لمن أطرى ، ومن لعنا
فكم مذبوحة، دافعت عن دمها
وكل خائفة أهديتها وطنا
أنا مع الحب حتى حين يقتلني
إذا تخليت عن عشقي ، فلست أنا