شعار قسم مدونات

صانع بوستات لا صانع أفلام فلا يغرنّكم

blogs - movie

خلال عملي في إنتاج الأفلام الوثائقية لما يربو عن ثمانية أعوام، أدركت عدم وجود ذلك الشخص الملّقب بـ ( صانع أفلام ) بل هناك فريق كامل متكامل يصنع الفيلم الوثائقي من مبتكر الفكرة وصولاً إلى مفرّغ الفيلم كتابة، فحالة صانع الألعاب في كرة القدم المسؤول عن هيكلية الهجمات وترتيب كل التمريرات القاتلة لتسجيل الهدف لاتنطبق على الفيلم الوثائقي، فأسطورة "ميسي" صانع الأفلام تبقى أسطورة.

تجد عادة الذي يلّقب نفسه بـ ( صانع أفلام ) هو المخرج، بيد أنّ الخبير في المجال العملي لإنتاج الفيلم الوثائقي يعي تماماً بأنّ المخرج إذا لم يدعمه باحث ومعدّ قوي بخلفية موضوعية شاملة للفيلم واقتراح شخصيات قوية لمقابلتها بالإضافة إلى توفير الأرشيف المميز المناسب فلن يستطيع المخرج تنفيذ رؤيته، وأنّ المخرج إذا لم يسانده "مونتير" متمكّن حتى إن وصلته مواد تصويرية رائعة فلن يُنتج الفيلم بالمستوى المطلوب.
 

وكلا المخرج و "المونتير" إذا وصلتهما مواد تصويرية تعاني من عيوب في الصورة أو رداءة في الصوت فلن يستطيعا إيصال الفيلم إلى فيلم وثائقي متميز، ولا ننسى مدير المشروع الذي يقع على عاتقه ربط كافة عناصر الإنتاج ببعضها البعض في وضعية استلام وتسليم محدّدة في مدة زمنية في نطاق تكلفة مالية محسوبة ودقيقة، وفي حال توافر فريق العمل الاحترافي ولم يجد هذا الفريق الدعم الماديّ المتمثل في شركات الإنتاج لتنفيذ العمل فلن يبصر الفيلم الوثائقي النّور.
 

مجال صناعة الأفلام كأي عمل آخر يعاني من الفساد كالواسطة والعلاقات الشخصية، كما وأنه من الممكن أن يُسرق جهدك ليصبّ في رصيد غيرك

في الآونة الأخيرة اقتحم مجال صناعة الأفلام فئة متمرسة بالتواصل على وسائل الإعلام الجديد وبشكل خاص Facebook، هذه الفئة تقدّم نفسها للشباب على أنّها خبيرة ومختصّة في صناعة الأفلام، والإشكالية الحقيقية هنا تكمن في نقل صورة عن إنتاج الأفلام لا تطابق الواقع وعليها يبني الشباب المتلقي لهذه الصورة طموحه وآماله.
 

ما أعنيه هو تركيز هذه الفئة على نشر "بوستات" مبهرة في عين غير المختصّين منمقة في الصياغة ترافقها صور لهم وهم يحملون الكاميرات أو في مواقع التصوير ولا يتحدثون عن حقيقة العمل الوثائقي بل يكتفون بنشر عبارات فضفاضة تدغدغ المشاعر.
 

هذه الفئة لو راجعتَ تاريخ عملها في صناعة الأفلام الطويلة أو القصيرة ستجده إمّا صفراً أو ربما فيلما واحدا، ولن تجد لهم أفلاماً على قنوات رائدة مثل الجزيرة أو BBC على سبيل المثال، لكنّهم ناجحون للغاية في تسويق أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ويجيدون جمع الإعجابات من المتلقين.

خلال تدريبي لمجموعة شباب من كلا الجنسين على فترات متباعدة كانوا يأتون مشبعين بكل تلك البوستات ويحملون التصوّر الخيالي المدلل المقرون بالشهرة والأضواء بالإضافة إلى تصوّرات تتعلق بالمردود المالي العالي عن صناعة الأفلام، وبمجرد احتكاكهم العمليّ بواقع المهنة يصابون بالصدمة يدركون بأنّ صناعة الأفلام مثلها كأيّ عمل آخر مُجهدة وتحتاج إلى دراسة وعمل وفيها تحديّات ومعيقات ليست بالبسيطة، وأنّ التصوّر الذهني المتعلق بالإبهار البصريّ هو جزء يسير جداً من المهنة، وأنّ الواقفين خلف الكاميرا الجنود المجهولين لهم دور كبير في إنجاح العمل.
 

ممّا يساهم في تعزيز ظاهرة اعتبار صنّاع البوستات صنّاع أفلام هو تقديم بعض مراكز ومعاهد التدريب الإعلامية لهذه الفئة على أنّهم مدربّون، وإنْ كان اختيارهم وفقاً لما أخبرني أحد مدراء هذه المعاهد هو لكثرة عدد المعجبين بهم على Facebook وبالتالي سيضمنون الدعاية المجانية الواسعة للمعهد من خلالهم والحضور القوي.
 

وبرّر عزوفه عن عقد دورات لأهل الاختصاص في المجال بأنّه ذات مرة عقد دورة لمخرج – وذكر اسمه لي – وهو يُعدّ من أوائل العاملين في الوثائقي الفلسطيني ومدرّب معتمد لدى عدة هيئات.إلّا أنّ الحضور كان ضعيفاً جداً ممّا اضطّره إلى تخفيض قيمة رسوم الدورة لجذب الحضور، وعزا السبب في ذلك لعدم شهرة هذا المخرج على وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتوافد الشباب.
 

وبالطبع لا يمكن تعميم حالة هذا المدير فهناك بعض المعاهد على ندرتها ما زالت تهتم بالنوعية على حساب الربح الماديّ البحتّ، وهناك عامل آخر يساهم في تعزيز ظاهرة صنّاع البوستات وهو ترويج بعض صنّاع البوستات لأنفسهم على أنّهم صنّاع أفلام معتمدين من الولايات المتحدة الأمريكية وهنا تلعب عقدة النقص من الغرب دورها في تلميع هذه الشخصيات، وبغض النظر عن القيمة الحقيقية للمعهد الأمريكي الذي نسب أولئك أنفسهم له ودرجته الأكاديمية، لكن درس في أمريكا في فرنسا .. لها وقعها في نفوس البعض.
 

مَنْ دفعني إلى هذه التدوينة هم أولئك الشباب المتحمّس الذي يبني مستقبله المهنيّ وتخصصّه الجامعي على تلك البوستات، لاعتقاده بواقعيتها وهي تريه الجانب الجميل فقط من المهنة وفي حالات كثيرة تحوي هذه البوستات مبالغات في وصف هذا الجانب تتضارب مع الواقع.
 

فإيجاد مربع صغير لك في وسط صناعة الأفلام يؤمن لك العيش الكريم ويوفّر لك المردود الماليّ الذي يعينك على شقّ طريقك في الحياة ليس أمراً يسيراً خاصّة إن اعتمدته كمصدر رزق لك، وأن تقتنع شركة إنتاج بك لتتبنى إبداعك وتؤمن بعملك وتنقله للقنوات لبثّه يحتاج إلى جهد وتراكم خبرات وتواصل دائم على أرض الواقع مع هذه الشركات.

من يريد الخوض في مجال صناعة الأفلام عليه الخوض فيه على بصيرة وعلم وبخطوات متينة وراسخة تعرف ما لها وما عليها وأنّ رسالتها أكبر من حمل لقب مخرج

وهذا المجال كأي عمل آخر يعاني من الفساد فعلى سبيل المثال للواسطة والعلاقات الشخصية، وأحياناً التوجهات الفكريّة دور لا يمكن تجاهله، فيمكن أن تمتلك أقوى سيرة ذاتية ممكنة وبالرغم من ذلك تُظلم ويُقدّم عليك فلان الذي لا يملك أيّة مؤهلات لكن تربطه علاقات مع المدير أو يحمل توصية من جهة معينة، ويمكن أن تجتهد وتساهم في صناعة فيلم بحبّات عرقك ويُسرق جهدك ليصبّ في رصيد غيرك، فعالم صناعة الأفلام ليس فقط السماء الزرقاء والشمس الدافئة وليس هوليوود و أوسكار.
 

وفي المقابل هناك مخرجون وباحثون ومعدّون ومحرّروا أفلام لديهم قائمة طويلة من الأفلام الوثائقية الاحترافية ولديهم أفلام مشاهدتها تجاوزت المليون مشاهدة، و حاصلون على عدّة جوائز محليّة وعالمية، ولديهم أفلام أحدثت تغييراً حقيقياً في الوعي المجتمعي أو شكّلت نقطة تحوّل في مسار إنتاج الفيلم الوثائقي عربياً، أمثال هؤلاء يمكن وصفهم بأهل الخبرة والاختصاص وإن كانت مشكلتهم تكمن في ضعف تواصلهم على وسائل الإعلام الجديد لانهماكهم في عملهم.
 

من الظلم لنفسك أن تبني حياتك على إعجاب ببوست أو انبهار بصورة، وأن تضع مستقبلك رهينة حالة عاطفية غمرتك جرّاء متابعة دائمة لمجموعة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، فمن يريد الخوض في مجال صناعة الأفلام عليه الخوض فيه على بصيرة وعلم وبخطوات متينة وراسخة تعرف ما لها وما عليها وأنّ رسالتها أكبر من حمل لقب مخرج، صانع أفلام، مدرّب، ومجال صناعة الأفلام متعطش لدم الشباب المتدفق إخلاصاً وعملاً ليضع بصمته ويحدث التغيير الإيجابي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.