الوجه الآخر لمأسسة العمل الدعوي

blogs - Islamic Org
القيام بالدعوة إلى الله -عز وجل- عملٌ شرَّف اللهُ به مَن اصطفاه من عباده؛ لتحقيق الهدف المنشود من خلق الخليقة، ولإرساء مفهوم العبودية والتسليم لرب العالمين ربوبيةً وألوهيةً، والسير على خطى الأنبياء والرسل في محاولة ضبط العباد على طريق الله الذي ارتضاه لهم؛ فالدعوة كما عرفها الأستاذ محمد الغزالي -رحمه الله- هي: (برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف التي يحتاج إليها الناس؛ ليُبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق التي تجمعهم راشدين).
 

وانطلاقًا من قول النبي -صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" قد طوَّر العاملون في الحقل الدعوي أسلوب إدارة العمل، وأدخلوا فيه المؤسسية؛ في محاولة منهم لتأطير العمل ضمن سياق جماعي، وتوزيع الأعمال والتخصصات؛ للبعد عن الارتجال والفردية وسوء التخطيط؛ يقول الأستاذ محمد ناجي عطية "فلم يعد اليوم مجالٌ للنزاع على أن العمل المؤسسي خير وأولى من العمل الفردي الذي لا يزال مرضًا من أمراض التخلف الحضاري في مجتمعات المسلمين".
 

المؤسسات الدعوية التي يعمل فيها أعضاؤها دون أخذ أجر هي أكثر إثمارًا، ولا يعاني منتسبوها من تلك الصراعات إلا في أضيق الحدود

وللعمل المؤسسي مميزات عديدة في إدارته؛ فهو ينسجم مع فطرة الإنسان الاجتماعية من حب العمل الجماعي، ويحد من غرائزه النفسية من حب السيطرة والتملك والأنانية؛ فهو يضبط العمل من خلال عملية إدارية منظمة تحكمها لوائح وقوانين تحد من التخبط والعشوائية والانفراد في اتخاذ القرار وتساعد على الاستمرارية، وقد أثبتت الشخصيات والكيانات الدعوية التي تبنّت المؤسسية في عملها- نجاحًا في استمراريتها، وصلابة بنيانها، وعدم تأثرها بالفردية أو التخبط في الأداء، وتطبيق شرع الله في أمره بالشورى وجماعية الرأي.
 

وقد يظن البعض أننا سنناقش مزايا وفوائد النظام المؤسسي وأثره على العمل الدعوي -وقد كُتب في ذلك ما لا يُحصى من مقالات ومؤلفات-، ولكن ما سنطرحه نقيض ذلك الظن؛ حيث إننا سنتناول الوجه الآخر للنظام المؤسسي في إدارة العملية الدعوية؛ في محاولة لسد الثغرات التي ظهرت -مؤخرًا- بعد انتشار المؤسسية في الكيانات الدعوية، ولفت النظر إلى الشروخ التي بدأت تظهر في الأبنية بتوضيح عيوبها والسلبيات. والحديث سيتناول المؤسسات التي تخصص أجورًا للعاملين فيها، وأيضًا المؤسسات التي يكون العمل فيها بدون أجور.
 

بين مطرقة الإنجاز وسندان الإخلاص:
صراع كبير يعيشـه مَن يتقاضى أجرًا في الكيانات الدعوية التي تتبنى الأسلوب المؤسسـي في إدارتها- بين تحصيل الدنيا والآخرة، ولا سيما أن مهام وظيفته ليست دنيوية بحتة؛ فيستطيع الفصل فيرتاح، ولا هي تطوعية -بدون أجر-؛ فلا يشغل باله بهمِّ التفكير في تحقيق التوازن.
 

فإدارة الكيانات الدعوية التي تتبنى المؤسسية في العمل؛ مثلها مثل إدارة أي كيان إداري دنيوي آخر يطلب إنجازًا شهريًّا وسنويًّا يُقيِّمُ به موظفيه؛ وبناء عليه يتم الاستبعاد أو الترقية والخصم أو المكافأة، ويتعامل بالغياب والحضور، ومثل هذا الأسلوب يجعل الموظف يعيش صراعًا بين إخلاصه في العمل الأخروي الذي يبتغي فيه وجه الله ويريد إتمامه على أكمل وجه، ومحاولة حفاظه على وظيفته التي يتكسب منها؛ مما يجعله -إذا لم يستطع التوازن- يقصّر في إحدى الكفتين لصالح الأخرى.
 

فمن أجل إرضاء إدارة المؤسسة؛ قد يسقط منه إخلاصه في العمل ونسيان الاحتساب لله، ويصير كالقائم الذي ليس له من قيامه إلا السهر والتعب، والصائم الذي ليس له من صومه إلا الجوع والعطش! كما قد يلجأ أحدهم -أحيانًا- إلى التغاضي عن بعض الثوابت، أو التغافل عما يراه صحيحًا دعويًّا؛ من أجل تسيير الأمور أو تحقيق بعض الإنجازات التي تراها الإدارة؛ فترضى عنه وتحسب له في سجل إنجازاته الوظيفية، ولكنه يضر بمصلحة العمل الدعوي.

وحل تلك المعضلة يكمن في: استيعاب الإدارة طبيعة العمل، وإضفاء بعض المرونة في التعامل مع موظفيها الدعاة؛ بحيث لا تؤثر صرامة الإداريات على إخلاصهم وعطائهم، وعلى الجانب الآخر يتعين على الموظف مجاهدة النفس بعمل ما يرضي الله -عز وجل- ثم ضميره بعيدًا عن أي محاباة أو إثبات الذات أو حب الظهور، ويحمد الله -عز وجل- أن جمع له خيرَي الدنيا والآخرة معًا.
 

ويجب أن نلفت النظر إلى أن: المؤسسات الدعوية التي يعمل فيها أعضاؤها دون أخذ أجر هي أكثر إثمارًا، ولا يعاني منتسبوها من تلك الصراعات إلا في أضيق الحدود؛ وذلك لسببين: الأول: أنهم لا ينتظرون أجرًا دنيويًّا مقابل سعيهم واحتسابهم. والثاني: أن الإدارة تهتم بالجوانب التربوية والإيمانية وتذكر العاملين باحتساب الأجر عند الله. على عكس المؤسسات المتبنية سياسة دفع المقابل.
 

قومجة الدعوة:
تنتشر كثير من المؤسسات الدعوية المتبنية سياسة التوظيف في دول تتبنى تكريس النعرة القومية وتدعيم الولاء للدولة، فتُفرض على المؤسسة قيود تتصادم مع صلب دعوة الإسلام الذي عمل رسوله على تحلية نفوس أصحابه بزرع الولاء للدين ونبذ أي عنصرية أو تفرقة بسبب لون أو عرق أو جنس؛ فتتحول خاصية الدعوة من عالميتها وإنسانيتها إلى دعوة خاصة بفئة من البشر لهم أوصاف محددة وصِفات معينة، وإذا لم تتوفر فيهم حُرِموا خيرها، فيتحول تفسير آية {عبس وتولى} من عتاب الرسول لنبذ التفرقة إلى أساس للتعامل وتوجيه للتفرقة! وقد نفهم -مع رفضنا- التفرقة على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنسية في الخدمات الصحية أو المزايا الدنيوية المقدمة من الدولة نفسها لمواطنيها، أما أن تكون الدعوة خاضعة لهذا التفريق فهذا الذي يستحيل على العقل استيعابه.
 

والأدهى والأمَرّ؛ أن يكون القائم على تلك المؤسسات من أنصار تلك النظرية وغير مدرك عالمية دعوة الإسلام؛ فيجبر الموظفين على تلك الرؤية مستغلاًّ تقاضيهم الرواتب والمقابل الدنيوي؛ وهذه طامة كبرى. ومن المؤسف أن تجد تدليسًا، ولَيًّا لعنق النصوص، واستغلالاً لأحاديث حَنين النبي -صلى الله عليه وسلم- لمكة وملاعب صباه في تبرير ما يحدث من تلك القومجة. وقد حكى لي ناشط حقوقي -يعمل في منظمة للمجتمع المدني تابعة لأمريكا- أن: المنظمة طلبت منه تشكيل فريق عمل في دولته، واشترطت عليه عدم الاهتمام بجنسية عضو الفريق أو عرقه، وقالوا له نصًّا: ((نحن لا نعترف بالجنسيات))! فالعجب أن يأتي مسلم بعد ذلك يكرّس مؤسسته بناءً على تلك القوميات والعصبيات، ويضرب في بعض ثوابت دينه الذي جمع (الرومي، والفارسي، والحبشي) وصبغهم بصبغة واحدة!
 

الفردية المقنَّعة:
قد ذكرنا أن من مميزات العمل المؤسسي: جماعية العمل والبعد عن الفردية في اتخاذ القرار؛ ولكن ثمة أزمة تحدث في الخفاء بتكوين جماعات الضغط الخاضعة لنفوذ شخص ما يملك قوى تأثير -أيًّا كان نوع القوى- داخل المؤسسة؛ فيخرج القرار النهائي بشكل جماعي -في الظاهر-، لكنه -من الداخل- مبطَّن بفردية الشخص صاحب التأثير المسيطر على اللوبي!

حريّ بكل كيان دعوي أن يقف مع نفسه، ويضبط بوصلته، ويتذكر ثوابته التي انطلق منها، ويضع تقييمًا لوضعه الحالي

وتكمن خطورة اللوبي في نوايا وتوجهات ذلك الشخص أو الأشخاص المسيطرين، فإن كانت نوايا حسنة؛ صبت في مصلحة العمل، وإن كانت نوايا وصولية خبيثة متجردة من الإخلاص؛ بَئِس العمل بها وساهمت في خرابه.

فنتائج الفردية والعشوائية نتائج حتمية لكل مؤسسة ينخر فيها اللوبي الذي يعطل سُنّة الشورى -بشكل غير مباشر- بولائه للأفراد أصحاب النفوذ، كما أنه يوقف عملية تجديد الدماء في الكيان، ويساهم في تجلطه؛ الشيء الذي يأذن بانهيار الكيان على المدى الطويل. وهذه المشكلة تظهر -بشكل كبير- في المؤسسات التي لا يتقاضى منتسبوها أجورًا، ونادرًا ما تجد مَن يكوّن اللوبي بدافع الإخلاص وحرصه على العمل، فالأغلب يكون بدوافع الوصولية وحُب السيطرة وتوهم الحفاظ على الكيان.
 

وأخيرًا؛ حتى لا يكون التيه مسارًا إجباريًّا:
يقول الأستاذ سيد قطب -طيّب الله ثراه-: ((الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق))؛ فطول الطريق دون تذكير أو تنبيه أو تقييم وتصحيح المسار؛ يجعل التيه في نهايته مسارًا إجباريًّا، ولا سيما إذا تم الاستسلام الكامل للمصالح والمفاسد بشكل غير منضبط.
 

فحريّ بكل كيان دعوي أن يقف مع نفسه، ويضبط بوصلته، ويتذكر ثوابته التي انطلق منها، ويضع تقييمًا لوضعه الحالي؛ بحيث لا يُفاجَأ بأنه قد انسلخ من كل ثوابته وانحرف عن الطريق؛ بسبب تركه ذلك التقييم وإهماله معالجة الشروخ التي طرأت على العمل.