شعار قسم مدونات

التدين الشكلي دون الدين الخطابي

تدين

وجه التشريع الإلهي مستلزم بحقيقة الالتزام بين الإفراط والتفريط وهو نظرية "التوسط والاعتدال " وهي بمنطقها العقلي ما يتناسق وينسجم في حقيقته مع ممارسات الإنسان ، حتى لا يكون التناقض والتضاد قانونية الدين ومنظومة الممارسة فوددت بداية أن أعرض المشكلة التي أود تشخيصها ومن ثم أشرع في أسباب التدين الشكلي ومن ثم محاولة إيجاد الحلول.

لا يخفى على القارئ أن الدين بجملته هو مجموعة التكاليف التي أناطها الله بالمكلفين من عقائد وأفعال وأقوال، وهو إذا ما أردنا أن نحرر وجوده قلنا بأنه الثوابت الأصيلة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان.

الدين بجملته هو مجموعة التكاليف التي أناطها الله بالمكلفين من عقائد وأفعال وأقوال

ولما كان الدين عبارة عن خطاب لزم من وجود الخطاب وجود المخاطب عقلا، والتدين هو ما يتمثل بوجوده صدق المشاعر بقصد الامتثال ولا يلزم من وجوده الامتثال الحقيقي للثوابت التي أصل لها الشارع، وإذا ما صغت الدين بفلسفتك ستجد أنه المنظومة الثابتة المتناسقة التي تكون معيارا رئيسا لضبط منظومة الممارسات الإنسانية.

فبين معيارة الدين والتدين الثابت في المنظومة الدينية والمتغير والمتغالي في حقيقة الممارسة التدينية، والممارسة في حقيقتها وتبيانها ليست مسوغا لانتقاص الدين الأصيل.

فالمنافقون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ولم ينفعهم إسلامهم، وهذا لا يعود في حقيقته إلى أن الدين بمنظومته لابد أن يتوافق مع الأهواء والأذواق المختلفة اللامتناسقة في معظمها، والتباين الذي نجده بين الدين والممارسة التدينية الشكلية لا يعني بالضرورة شروخية الدين بل هي إفراز لانحطاط يصوغه صاحبه بجعل الدين متمثلا بممارساته وينتج عنه اتهامية للدين.

وقد يتطرق البعض إلا أن الله أفضى نصوصه لعقول عباده فمعرفة الغاية الإلهية مرتبطة بعقول البشر نعم ولذا نجد أن الله قال " ‏‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ"‏ ‏سورة آل عمران‏:‏ آية 7‏ .

وهي بمعناها أنه أفضى النصوص بحيث تفهم فهما صحيحا إلى الراسخ المتمرس المختص، وراعت الآية أهمية التخصص حتى لا يكون التدين من حيث فهم الثابت "سطحيا".

سيما وأن النظرة السطحية للنصوص هي من حيث الاعتبار نظرة مجتزأة لا تعدو كونها خبط عشواء ومحاولات للفهم ليس إلا ، ليفقد الدين هيبته بين قيل وقال وبين تشعُّبات مملة وتشغيبات ساذجة مفقدة روح العمق في نسيج النص وبعيدة عن المنطق الإنساني ، ومما لابد توضيحه هو أنا كثيرا ما نسمع أنه " لا اجتهاد في مورد النص " وهي صحيحة إذا ما كانت الصراحة قطعية إذ الاستدراك على الواضح مشكلة وتوضيح الواضحات من المشكلات كما لا يخفى على عاقل.

ولا يتأتى لإنسان أن يجتهد في النص الصريح الواضح، وأما إن كان النص في دلالته محتملا فإن الشارع أوكل للمختص فهمه لم يوكل الفهم للمتطرف تمييعا ولا للمتطرف تنطعا فكلا الطرفين يحاولون تطويع النصوص وليّ عنق النص لإخراجه من سياقه بداية وحتى يوافق استخفافهم.

ولي بعد هذا أن أقف عند حديث للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" والتنطع هو التكلف والتعسف ، وتحميل الأمر ما لا يحتمله عقلا وممارسة، كمن يفتي بأن المباح حرام فهو وجه التضييق على النفس والناس بذريعة " الأخذ بالأحوط " ، وفي نظري تلك نظرية لا تعدو كونها مطبقة إلا على الذات ولا يجوز بمكان تصديرها للناس وتدعيمها ببعض النصوص التي تخالف منطق الواقع أحيانا كثيرة وقد تكون عبارة من اجتزاء كقوله "جئتكم بالذبح ".

وهي عبارة ترهيبية مقتطعة من حادثة معينة خاصة من حيث دلالاتها ولم نسمع أنه قتل أحدا بذريعة هذا النص ليكون مسوغا لفعله وهو يتعارض في جملته مع آيات الرحمة، وفي حديث آخر قال " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ". ودلالة الإشارة هنا على محذوف وهو" الدين " والمعنى أنه لا تتشددوا في ممارساتكم ظنا منكم أن الدين هو كامن في تصرفاتكم وممارساتكم .

يفقد الدين هيبته بين قيل وقال وبين تشعُّبات مملة وتشغيبات ساذجة مفقدة روح العمق في نسيج النص وبعيدة عن المنطق الإنساني

والنفس لفظ متعد ٍ للغير بالضرورة العقلية ومن باب أولى وموضوع التعبد هو ضمن المقدرة على أداء العبادة فلو عجز الإنسان عن أداء العبادة على وجهها المشروع فقد شرعت له الرخصة بأدائها بصورة أخرى تساعده على الأداء كالجمع بين الصلوات إزاء المرض وهو ضمن وجه هو أنه لا يجوز التكليف فيما لا طاقة للإنسان على إتيانه.

ولا يُتصور في ذات الوقت النفي مطلقا بحيث يكون الإنسان بلا تكاليف أو أن الضرورة تحتم عليه ترك ما افترض عليه فهذا تأل وافتراء ؛ لأنه من المستحيل عقلا أن نحكم بشيء وضده في آن واحد أو بصورة النفي والإثبات في قالب واحد كأن يقول "افعل ولا تفعل" ، وصورة الأول التشدق والإفراط وصورة الآخر في التفريط .

ولي أن أقسم أسباب التدين الشكلي إلى بنود :
• قلة الوعي والفهم، وهي النقطة الأساسية للتدين السطحي أو الشكلي بحيث أن منطلقات المتدين القليل الفهم مع الوعي هي منطلقات عاطفية عادة وتتحرك وفق "التجييش العاطفي" .
• فقد الفرص في الحياة الاجتماعية . وهذه لا تقل عن الأولى من حيث الاعتبار فحينما يفقد الإنسان فرصته في الحياة الاجتماعية و يعتبر الدين منفسا ومرتعا لأرائه.

• تصلب الآراء لدى المتدينين، وهي معضلة فوق معضلة فناهييك عن تدينه المشوه إلا أنه في ذات المقام يتشدق برأيه ليجبر عليه غيره ليتحمل إثم نفسه وإثم غيره .
• عدم المعرفة بأدبيات الحوار والموضوعية، فدائما ما يتوجه إلى حسم النقاش بالإجماع على ما اختلف العلماء في دلالاته أو حسم النقاش بوجود اختلاف على ما اتفقوا عليه.

• التربية الخاطئة أسريا وفي المؤسسات التربوية التعليمية . وهي لا تقل أهمية عن سابقاتها إذ دور الأهل في التربية الدينية مهم للغاية لأنه يتمثل بوجود التربية الدينية الصحيحة وجود ونشأة إنسان سوي يتعاطى مع الملمات بعقلانية التوسط والاعتدال لا العنجهية والتشدد ، وكذا دور المؤسسات التعليمية.

• وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهي تلعب دورا كبيرا في تنشئة المتدين الشكلي الذي لا يستوعب إلا حكما مقاسيًّا في الغالب .

ومن الحلول المقترحة؛ نشر الثقافة الدينية وفق ما يتناسق وينسجم مع النص روحا ومحتوى وذلك عن طريق وسائل الإعلام بداية بحكم أن وسائل الإعلام لها التأثير الأكبر على الجمهور، وكذا وسائل التواصل الاجتماعي بتقديم أناس على درجة عالية من الفهم والأدراك والاستيعاب، وربط المناهج التعليمية الدينية بالواقعية بعيدا عن السفسطة، وأخيرا ربط المتدين السطحي مع المتدين العميق ليكون هناك سوية ثقافية .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.