نظرة عن بعد.. الموضة

blogs-موضة

"نظرة عن بعد"، سلسلة ستتناول في كل تدوينه موضوعا بالتحليل، نقرأ ظاهره ونغوص في خفاياه نبحث عن خلفياته وانعكاساته، عسى أن تتضح معالمه وتنكشف أسراره.

"نظرة عن بعد"، هو إيمان لدي أن فهم أي ظاهرة يستوجب مراقبتها عن بعد، فالاقتراب من تفاصيلها "على أهميته" يخفي بعض جوانبها ويشوش الرؤية، لذا ستكون هذه العبارة منهجا واسما دائما لتدويناتي " نظرة عن بعد … الموضوع".

وأول ظاهرة ننظر إليها عن بعد، ظاهرة مستفزة جدا لشخصي، تديرها أيادي خفية استطاعت في ظل العولمة أن تجعل من سكان هذا الكوكب نسخا متشابهة لا هوية لديهم ولا اختلاف بينهم، وان كانت تجلياتها واضحة في المظهر الخارجي، فإنها تشمل أيضا المضمون المتمثل في التركيبة الشخصية لكل فرد، إنها "الموضة".

وأنت تتجول في أي مكان أو تشاهد عبر الشاشات مجتمعات أخرى ستلاحظ تشابه كبير حد التطابق في أفراده، في ثيابهم تسريحاتهم أحذيتهم، في حركاتهم سكناتهم، حتى في بعض ملامح أوجههم وألوان بشرتهم المعدلة…!! الغريب في الأمر أن هذا التطابق يشمل أفراد من ثقافات وحضارات مختلفة، مما أفقد المجتمعات هوياتها الخاصة.

تتميز هذه الظاهرة بحركتها عبر الزمان وعدم تأثرها بالمكان، فهي تعلن عن تجليتها بصفة دورية شبه منتظمة، ومع هذه الحركة يتفاعل أفراد المجتمعات بصفة فورية جماعية "أوتوماتكية".
من مخلفات هذه الحركة، أن من ضل على نسختها أو نسخها السابقة أوغير ملتزم بها تماما سيكون بنظر المجتمع متخلفا عن ركب الحضارة!!

كما أن من مخلفاتها أن ماكان مطلوبا بالأمس ويبحث عنه الجميع ويدفعون في سبيله أسعار غير مبررة (ثياب أحذية وغيرهما…) سيصبح اليوم غير مرغوب ولا متداول ولو كان بأزهد الأثمان بل أكثر من ذلك سيصبح محل سخرية…!!

ظاهرة الموضة هي ظاهرة اقتصادية متسلطة وجدت بيئة مناسبة لتبسط سيطرتها فكانت من مخلفاتها مجتمعات بلا هوية

الأكثر غرابة هو أن عكس اتجاه هذه المخلفات صحيح، أي أن ما كان محل تجاهل وسخرية بالأمس قد يصبح هو المطلوب الذي يبحث عنه الجميع ويتفاخرون به…!! أعتقد أن هذه النظرة عن بعد لظاهرة الموضة كشفت خللا واضحا في سلوكيات منتسبيها فما دلالات ذلك؟

يدل هذا التشابه في الشكل والمضمون بين أفراد المجتمعات على اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم على فقدان الهوية والتميز بين كل مجتمع  وآخر أو حتى بين كل فرد وآخر، مما يجعل منتسبي هذه الظاهرة "أشكال بلا روح".

اتباع الحركة الشبه دورية للموضة يدل بصفة واضحة على "التغييب" فالفرد ينتقل من شكل ومضمون لآخر بصفة أوتوماتكية دون قرار أو رغبة منه وفي اللحظة التي يحددها غيره! أما الخلل الأكبر في اعتقادي فهوتبني مظاهر وأفكار عكس قناعاتنا بل أكثر من ذلك تبني ماكان بالأمس محل تندر… والعكس صحيح أي التخلي على مظاهر وأفكار كنا نتبنها لتصبح محل سخرية!!

ورغم ما تسببه الموضة من خلل في سلوكيات الأفراد فإنها تسيطر على شريحة كبيرة من الناس فكيف ذلك ولماذا؟

إن أهم أدوات ظاهرة الموضة هي العولمة وهي أن كل فرد في هذا الكوكب قادر على تبليغ أفكاره لأي فرد في أي مكان، مع القدرة على التبليغ هنالك القدرة على تحويل وجهة أفكار الأفراد الآخرين و تحتاج هذه القدرات إلى إمكانيات مادية ولوجستية أهمها الإعلام بكل أنواعه، ثم وسائل التواصل الاجتماعي.

من أدواتها أيضا الأشخاص المؤثرون أو ما يسمى "نجوم المجتمع" لأنهم قادرين على نشر أفكار ومظاهر لدى قاعدتهم الجماهرية الواسعة… وتحيلنا هذه الأدوات التي بها سطت هذه الظاهرة على المجتمعات إلى الأيادي الخفية التي تقف وراءها، حيث أن هذه الإمكانيات الكبير للتمكن من الأدوات المذكورة أعلاه لا يمكن أن تتوفر إلا عند كبار الشركات الفاعلة في كل ما يخص الموضة فهم المستفيدين من هذه الحركة الدورية المتسارعة في سوق الموضة وتدر عليهم الأرباح الطائلة.

في النهاية يمكن أن نستنتج أن ظاهرة الموضة؛ ظاهرة اقتصادية متسلطة وجدت بيئة مناسبة لتبسط سيطرتها فكانت من مخلفاتها مجتمعات بلا هوية تتبنى أفكار ومظاهر سطحية دون وعي وارادة منها.



حول هذه القصة

يستضيف معهد العلاقات الخارجية التابع لوزارة الخارجية الألمانية بمقره الرئيسي في مدينة شتوتجارت حتى التاسع والعشرين من الشهر الجاري معرضاً فنياً بعنوان “عوالم و موضات الأزياء في العالم العربي”.

20/5/2005
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة