مكافحة الإرهاب هل تقود النظام السوداني إلى حتفه؟

blogs - sudan
مخطئ من يتعامل مع نظام البشير كنظام عقائدي إسلامي وصل إلى السلطة في السودان وفقط، بل إن نظام البشير يجسد مصير التجارب الإسلاموية عندما يكون الصدام بين المصلحة والأيدلوجية والذي تضطر في هذه الحركات غالبا إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات حتى يفقد النظام أيدلوجيته ويتحول لمجرد نظام همه الأوحد هو البقاء في السلطة ولو على أشلاء الوطن.
 
في سبيل مصلحة النظام يضحي الرئيس البشير بالأمن القومي السوداني و يفتح الباب على مصراعيه للجماعات المسلحة المتطرفة أن تهاجم السودان

وقد عانت أنظمة القومية العربية التي نشأت في عهد ما بعد الإستقلال من هذه المشكلة واختارت المصالح الآنية على الأفكار غالبا فتحولت هذه الأنظمة لأنظمة متناقضة (تصلي خلف علي وتأكل على مائدة معاوية) فتحالفت مصلحيا مع أمريكا رغم أنها حسب مبادئهم دولة امبريالية ومدت يدها للأنظمة الملكية التي كانوا يقولون عليهم أنظمة الرجعية والإستعمار ووقعوا اتفاقات هدن مع إسرائيل بشكل معلن كما في حالة كامب ديفيد أو بشكل غير معلن كما في حالة اتفاقية وقف إطلاق النار بين النظام السوري و إسرائيل.
 

يقترب النظام السوداني كثيرا من حالة هذه الأنظمة فرغم أنه إسلامي وهذه الأنظمة قومية لكنه يتشابه في تركيبته كثيرا مع هذه الأنظمة بشكل كبير كون أن عددا من قيادات النظام العسكرية تلقوا دورات عسكرية في مدرسة الأركان العراقية، أو تلقوا دورات تدريبية في سورية، وبالإضافة إلى كل هذا فقناعة قيادات النظام التي تربط العروبة بالإسلام في بلد متعدد الأعراق تجعله نظاماً عنصريا، وهذا مما أفقد النظام الكثير من زخمه الإسلامي.
 

ومما تعلمه قيادات النظام من أنظمة البعث أن ينشؤوا مؤسسات دولة موالية تماما كما في الحالة العراقية والسورية، وكذلك تعلموا من النظام السوري البرغماتية، فهم براغماتيتهم يشابهون نظام الرئيس حافظ الأسد الذي اعتبره أكثر الأنظمة العربية برجماتيةً في التاريخ المعاصر، وسبب التشبيه هو أن النظام السوداني والنظام السوري يتحالفان في سبيل مصلحتهما دون أي مراعاة للتوافق الأيدلوجي مع الحليف ما دامت مصلحتهما اقتضت التحالف فتحالف النظام السوري زمن الأسد (الأب) مع حركة حماس رغم أنها حركة إسلامية إخوانية وتحالف مع النظام الإيراني، رغم أنه نظام ثيوقراطي ديني ضد أعدائه البعث العراقي وحركة فتح الفلسطينية.
 

وكذلك الحال بالنسبة للنظام السوداني فهو حليف وثيق للحزب الشيوعي الصيني رغم أن أكبر أعداءه هم الشيوعيين السودانيين وحليف للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة واللذان تعتبران الحركات المنبثقة عن الإخوان المسلمين حركات إرهابية تهدف إلى قلب أنظمة الحكم في دول الخليج العربي، ولما كان هذا السلوك البرجماتي يتطلب نوع من إثبات حسن النوايا لحلفاء النظام الجدد في الخليج فتحرك الجيش السوداني بكل حماسة ليشارك في عمليات عاصفة الحزم من اللحظة الأولى ثم في طرد كامل أفراد البعثة الدبلوماسية الإيرانية بعد الأحداث التي أعقبت اقتحام القنصلية السعودية في مشهد والذي أعتقده أنه في القريب العاجل سوف يشارك الجيش السوداني في عملية محاربة تنظيم داعش برياً مع السعودية وتركيا وبقية دول الخليج، ويستنتج ذلك بسهولة من قراءة تصرفات النظام السوداني البرجماتية.
 

وعند قرائتنا لسلوك نظام الخرطوم يجب تناسي الأيدلوجيا، فالنظام السوداني لا تحركه سوى المصالح ومن أجل المصلحة الاقتصادية وفقط قام بإلغاء كل إلتزاماته مع إيران وانضم إلى جانب السعودية مقاتلا في سبيل تحقيق مشروعها الإقليمي، وهذا السلوك البرجماتي لنظام البشير لا يشبه إلا سلوك نظام الأسد الأب، فمن العجيب فعلا أن نظام الأسد و بضوء أخضر من الجامعة العربية قام بغزو لبنان لمنع تقسيمه فيما زعم، لكن في الحقيقة كان الهدف القضاء على الفصائل الفلسطينية اليسارية التي لم تكن الدول العربية تحبها.
 

ورغم أن حافظ الأسد يساري قومي فقد نفذ ما تهواه ما كان يسميها دول الرجعية العربية وحجم هذا التواجد اليساري الفلسطيني في لبنان، ويبدو أن عمر البشير مستعد للعب نفس الدور، لكن هذه المرة سيقوم إسلامي بتكسير أجنحة الفصائل الإسلامية المتطرفة لصالح المعتدلة التي تدعمها السعودية، وهذا ما يستنتج من تصريحات وزير الخارجية السوداني التي لم تستبعد المشاركة في القتال في سوريا تحت غطاء التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب. ومن التسريبات التي خرجت على قناة السي إن إن الأمريكية في فبراير الماضي والتي تتحدث عن قبول عدد دول بالمشاركة البرية لمحاربة داعش في سوريا وهي الأردن ومصر والسودان بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية زعيمة التحالف الإسلامي.
 

و يبدو أن المخطط لمحاربة داعش في سوريا بقوات عربية مع القوات المسلحة التركية في اتجاه النضج مع نزول الجيش التركي إلى مسرح العمليات في سوريا وطرده تنظيم داعش من محيط جرابلس في إطار ما سميت بعملية درع الفرات مع وجود تسريبات على الصحف التركية تتحدث عن رغبة دول عربية في مشاركة تركيا قتال داعش في الرقة وشرق سوريا وعن رغبة تركية في ملاحقة التنظيم الإرهابي إلى معاقله في الموصل وكركوك العراقيتين وذلك خوفا من انتقام داعشي من التركمان في تلك المناطق.
 

سيبقى النظام على كارثة إن تدخل ضد داعش:

لو أن إيران قامت بتقديم دعم جدي للمعارضة السودانية وخصوصا المسلحة منها فإن ذلك سوف يخلق أزمة للخرطوم

في سبيل مصلحة النظام يضحي الرئيس البشير بالأمن القومي السوداني و يفتح الباب على مصراعيه للجماعات المسلحة المتطرفة أن تهاجم السودان ردا على قراره بالموافقة على المشاركة في قتال دواعش بلاد الشام، فالسودان تجمعه مع ليبيا التي ينتشر فيها التنظيم 383 كيلومتر والمتوقع أن داعش سيرد على مشاركة السودان في قتاله بهجمات إرهابية في العمق السوداني، وكذلك الحال مع تنظيم القاعدة الذي سيكون في حل من فتوى أيمن الظواهري الشهيرة التي حرم فيها الإعتداء على الحكومة السودانية لأن السودان فيه من المشاكل ما يكفيه(1)
 

وكذلك الحال مع داعش التي أمسكت بالسفير السوداني في العراق في 2005م ثم لم تذبحه وأطلقت سراحه في زمن أبي مصعب الزرقاوي أمير الذباحين وكان ذلك مقابل سحب البعثة الدبلوماسية على عكس الحال مع سفير النظام المصري الذي تم ذبحه بلا رحمة وبدون أي تفاوض(2).
 

كذلك كيف سيكون وضع الجنود السودانيين في اليمن الذين هم في متناول يد تنظيم الدولة لينتقم منهم كما يشاء والجميع يشاهد العمليات الإرهابية التي تستهدف قوات التحالف العربي من تنظيم الدولة في عدن، فإن كان لابد والمشاركة في مقاتلة الإرهاب في سوريا فيجب تأمين الحدود مع دارفور التي تجاور ليبيا لأن التنظيمات الجهادية لو وجدت موطئ قدم في هذا الإقليم المضطرب سيصعب إخراجها منه مرة أخرى وهذا ما حذرت منه تقارير إعلامية كثيرة منذ ظهور أول مجموعة متطرفة من أنصار الشريعة في ليبيا(3).
 

ثمن التدخل في سوريا و معاداة إيران:
أعتقد أن ثمن التدخل في سوريا سيكون مكلفا على النظام في المدى البعيد فجميع المتابعين للساحة السودانية يتابع الغزل الذي يتم ما بين قطب المعارضة الصادق المهدي وما بين الجمهورية الإيرانية، وهذا الأمر هو ما دفع السعودية لعدم استقبال الصادق المهدي باعتبار أنها تعتقد أنه حليف لإيران ولو أن إيران قامت بتقديم دعم جدي للمعارضة السودانية وخصوصا المسلحة منها فإن ذلك سوف يخلق أزمة للخرطوم وهي التي تعمل على تجفيف منابع الدعم للحركات المسلحة المعارضة واقناعها بالإنضمام إلى خيار السلام.
 

____________________________________________
(1)اللقاء المفتوح للشيخ الظواهري الحلقة الثانية مؤسسة سحاب
2008
(2) للإستزادة العودة إلى إصدار تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين عن أسر دبلوماسيي السفارة السودانية في بغداد في مايو 2006م
(3) و قد ردت الحكومة السودانية على هذه التقارير بشكل رسمي بانكار أي وجود للإرهابيين في دارفور في 20 مارس 2016م



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة