زيف الفوتوغرافيا وصدق بريزما

blogs - photographer
ذات صباح صيفي بمدينة غراس الفرنسية عام 1826، وقف الفيزيائي والمخترع نيسيفور نييبس في نافذة ليلتقط لنا أقدم صورة فوتوغرافية ثابتة ستصلنا من التاريخ، وكانت لساحة مدينته. ولم تكد تكنيكات الاختراع الجديد تتطور، لتخلق لنا هذه الأداة الساحرة المسماة بالكاميرا، وتحول التصوير إلى حرفة وهواية وممارسة عامة، إلا وقد تطور معها السؤال الأبدي حول ما إذا كان التصوير الفوتوغرافي فنا أم لا؟
 

منذ وقت مبكر، وتحديدا منتصف القرن التاسع عشر، عندما لم يكن قد مر بعد على اختراع الكاميرا الفوتوغرافية سوى عشرين عاما فحسب، كان النقاش دائرا حول ما إذا كانت الفوتوغرافيا مجرد التقاط ميكانيكي لموضوع ما هو خارجها، أم أنها شيء أكبر من ذلك؟
 

يحكي الكاتب مايكل برودجر في مقاله بالجارديان تحت عنوان "الفوتوغرافيا: هل هي فن؟" أن أحد الأعضاء المبكرين في مجتمع التصوير الفوتوغرافي في لندن الذي تأسس عام 1853، كان قد رأى أن التصوير الفوتوغرافي "حقيقي أكثر من اللازم too literal لينافس الأعمال الفنية". يشير هذا المصور الكلاسيكي إلى حقيقة أن الفن لا يحاول غالبا تصوير الواقعي، بل هو يعيد بناءه، أو بالأحرى: اكتشافه.
 

لم يكن الجمال الذي يشع من صور كاميرون نابعا من موضوعها، بل كان الجمال نابعا من عيني كاميرون

حاولت جوليا مارجريت كاميرون، المصورة البريطانية في ذلك الوقت، أن تؤكد فنية عملها، عندما راحت تستلهم الأعمال الفنية لعصر النهضة، بروحها المسيحية والميثولوجية، وبإيحاءاتها الأخلاقية، في التقاط صورها التي جاءت أشبه بلوحات فنية.
 

لم يكن الجمال الذي يشع من صور كاميرون نابعا من موضوعها، أن تصور مثلا إحدى قصور لندن الخلابة أو إحدى جميلات تلك القصور، بل كان الجمال نابعا من عيني كاميرون، نظرتها التي التقطت مثلا في صورتها الخالدة "نور وحب Light & Love" (1865) تلك النظرات الساحرة بين الجدة وحفيدتها.
 

لاحقا، لم يعد إدراك السحر الذي تنطوي عليه الكاميرا أمرا صعبا، بعدما قُدِّم التلصص الشهواني voyeurism كنمط سينمائي في منتصف القرن العشرين، وهو نمط يقدس المنظور، كما في "النافذة الخلفية" (1954) لألفريد هيتشكوك، أو "السينما السرية" (1968) لباول بارتل.
 

كتبت سوزان سونتاج على إثر ذلك مقالها التاريخي "عن الفوتوغرافيا" لتؤكد أن الفوتوغرافيا ليست موضوعية بالكامل، بل هي تقدم منظورا ذاتي، يقتحم فيه المصور المشهد الذي لا يعود قادرا على التخلص منه، إنه ليس العالم، بل العالم كما نراه.
 

لم يعد التصوير الفوتوغرافي بحسب سونتاج، وبعد جهود فنانين، مصورين وسينمائيين، على مدى قرن كامل، حقيقيا أكثر من اللازم كما رآه ذلك المصور البريطاني القديم، لقد أصبح الآن ذاتيا جدا، يقدم أكثر مما هو في الخارج. لقد أصبح فنا؛ لكن هل يعني ذلك أنه أصبح كاذبا؟
 

عندما يلتقط المصور صورة لإحدى عمارات بومباي الشاهقة مع الأكواخ المتاخمة لها، فإنه يصور المبنى في موقعه من العالم، تبحث عيناه عن المفارقة، التي قد يجدها أيضا، كما وجدتها كاميرون، في لحظة حنان بين جدة وحفيدتها. أما عندما يصور آخر نفس المبنى قائما وحده، معزولا عن كل ما يتاخمه، فإنه يصور مبنى لا وجود له، لأن ما لا صلة له بالعالم من حوله هو شيء لا وجود له.
 

لعلنا لذلك نكره صورنا الفوتوغرافية ونشعر بأنها لا تعبر عنا، بينما نعشق تلك المرسومة، على الرغم من أنها تحذف كثيرا من التفاصيل التي نفكر أنها تخفي شيئا من حقيقتنا

يعيد الفن تعريف الحقيقي والزائف، الزائف ليس هو ما يقتحمه المنظور الذاتي، بل هو ذلك الذي يبدو للحس الساذج مباشرا وواضحا تماما، ومعزولا عن العالم من حوله. أما الحقيقة، فهو ما تكتشفه الذات كامنا في هذا العالم إذا ما نظرنا إليه بعين المفارقة، إنها حقيقة لا تختلقها الذات، بل هي كامنة في هذا العالم بالفعل، وما نفعله هو أننا نكتشفها.
 

لعلنا لذلك نكره صورنا الفوتوغرافية ونشعر بأنها لا تعبر عنا، بينما نعشق تلك المرسومة، على الرغم من أنها تحذف كثيرا من التفاصيل التي نفكر أنها تخفي شيئا من حقيقتنا. نعيد تشكيل ذواتنا عندما نعيد تشكيل صورنا عبر تطبيق صغير كبريزما، بما نحسب أنه أكثر تعبيرا عنا، عن الحقيقة، بحلوها ومرها، بعد حذف كثير من التفاصيل المخاتلة.
 

يبدو أيضا أننا لا ننتمي إذن إلى هذا العالم المحسوس، إلى هذه المباشرة، ونحاول دوما أن نغادره إلى ذلك العالم الذي نشعر أننا ننتمي إليه حقا، هذا العالم الذي نختلقه، أو نفترضه، حيث تحضر كينوناتنا المتخيلة كما هي في ذاتها. وهذا التوتر بين عالمينا هو ما يخلق شعورنا بالاغتراب في هذا العالم، وتلك الفجوة هي ما يشكل نزوعنا الأخلاقي لنكون ما ينبغي أن نكونه، ونزوعنا العاطفي نحو علاقات نكون فيها ما نؤمن أننا هو.
 

أن تكون حسيا جدا، ماديا جدا، واضحا جدا، مباشرا جدا، لا يعني أنك تدرك الحقيقة، بل أن تكون غارقا في الزيف، الحقيقة هي ما تكتشفه عينك عندما تبحث عن المفارقة عبر عدسة كاميرا أو ريشة فنية.



حول هذه القصة

الاحتلال يحاكم فلسطينيا بتهمة ابتكار برامج أمنية

واصل الاحتلال محاكمة مجد عويضة بالعمل على ابتكار برنامج حاسوب قادر على اختراق منظومة الطائرات دون طيار، واختراق شبكة كاميرات التصوير بالطرق الإسرائيلية، ومراقبة حركة الطيران في مطار بن غوريون.

Published On 11/4/2016
السيارة بدت لوحة فنية جميلة وملفتة بعد رسم اللوحة عليها

بدا الفنان الفلسطيني بلال خالد سعيدا وهو يحول بدقة وإتقان شديدين معظم الأشياء من حوله للوحات فنية جذابة، معتمدا على مهاراته في فني الكاليغرافي والغرافيتي وعلى خبرته في التصوير الصحفي.

Published On 3/5/2016
Picture taken on 29 September 2015 of a panoramic view of Lyon, France. Lyon, France's third-largest city situated in the Auvergne-Rhone-Alpes region, is known for its historical and architectural landmarks and is a UNESCO World Heritage Site. Founded by the Romans in the first century BC, the city was home to cinema pioneers Auguste and Louis Lumiere and hosts the famous Fete des Lumieres (Festival of Lights). Lyon will be one of the host cities of the UEFA EURO 2016

يتميز التصوير البانورامي بأنه يقدم تفاصيل أكثر عن المشهد مما يمنحه جمالا أكبر وخاصة عند تصوير المناظر الطبيعية، لكن التقاط صور بانورامية جيدة يتطلب الإلمام بعدد من الطرق والتقنيات.

Published On 22/6/2016
إلياس كرام/شمال الخليل

احتجزت شرطة الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم شمال مدينة الخليل طاقم الجزيرة: المراسل إلياس كرام والمصور لبيب جزماوي، وزعمت أنهما قاما بالتصوير بمنطقة ممنوعة، وذلك قبل أن يتم الإفراج عنهما لاحقا.

Published On 30/6/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة