روسيا وتركيا: ما لا نعرفه عن صداقة قديمة

blogs - Russia and Turkey
عدوّان لدودان، أو هكذا يعتقد كثيرون عن تركيا وروسيا، خاصة في الكثير من الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية، والتي لم تكن تتصور أن يأتي يوم تصبح فيه تركيا أقرب لروسيا من الولايات المتحدة، بل ويكون هناك حديث عن تنسيق عسكري مشترك بينهما في سوريا، لا سيما بعد التوتر الشديد الذي وصل للمقاطعة الاقتصادية خلال الأشهر الست الأولى من هذا العام.
 

قد يبدو التقارب التركي الروسي الحالي ضربًا من الخيال، أو مغامرة تركية غير محسوبة وغير مُبالية بحسابات الجغرافيا والتاريخ كما يرى البعض، بيد أن الحقيقة هي أنه ليس أول تقارب بين الطرفين، وأن الحرب الباردة التي سببت في الكثير من الأوقات عداوة صريحة بين روسيا وتركيا، ودفعت الأخيرة للانضمام لحلف الناتو، تضمنت إحدى صفحاتها أول تقارب كبير استفادت منه تركيا في مجالات عدة كان الغرب، ولا يزال، ممتنعًا عن معاونتها فيها.
 

كيف انقلبت العلاقات التركية الأمريكية أثناء الحرب الباردة؟

أصبحت تركيا في تلك الفترة أكبر متلقي للدعم الاقتصادي والفني الروسي خلال الحرب الباردة خارج نطاق بلدان حلف وارسو

كان عقد الخمسينيات هو ذروة التحالف التركي الأمريكي، حيث شهد دخول أنقرة لحلف الناتو على يد رئيس وزرائها عدنان مندرس، والذي نجح في إحداث طفرة اقتصادية جزئيًا بسبب الدعم المالي الكبير الذي وفره الأمريكيون، في محاولة منهم لجذب تركيا بشكل تام للمدار الأمريكي مقابل الوفاء باحتياجاتها الأمنية بوجه السوفييت، وهي معادلة بدأت في التغيّر مطلع الستينيات بعد الانقلاب العسكري في تركيا.
 

إبان الانقلاب العسكري، رأي الكثيرون من النخبة العلمانية القديمة أن المنظومة الاقتصادية الأمريكية وسياساتها ستهدد بفتح السوق التركي على مصراعيه دون رقيب، وتودي على الأرجح بهيمنتهم الاقتصادية التي بنوها على مدار سنوات الجمهورية الأولى برعاية الدولة، وهو أمر كان يصب في مصلحة المحافظين أنذاك الراغبين بكسر هيمنة النخبة القديمة، وهو ما نجحوا فيه نسبيًا طوال سنوات مندريس، حتى وقع الانقلاب العسكري عام 1960.
 

بعد الانقلاب، وبينما تبلورت سيطرة العسكر على الحياة السياسية أكثر من ذي قبل، بالتوازي مع فتحهم الباب أمام بعض تيارات اليسار المعادية للـ"إمبريالية الأمريكية" في الداخل لإحداث موازنة مع المحافظين، بدأ نوع من التقارب الهادئ مع الاتحاد السوفيتي، والذي اقتصرت أهدافه على عدم الرغبة في التقوقع داخل المعسكر الغربي والالتزام بمبادئ الديمقراطية والسوق الحر، وكان القرار الرمزي الأبرز ربما في تلك الفترة هو رفع الحظر عن نشر أعمال الشاعر التركي ناظم حكمت عام 1964، والذي ظل يعيش في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية حتى توفي بموسكو عام 1963 (1).
 

عزز ذلك الاتجاه موقف عصمت إينونو، السياسي العلماني الأبرز أنذاك، والذي تحفظ على اتجاه مندريس السابق ناحية واشنطن، ورأي أهمية تبلور سياسة تركية مستقلة فيما يخص دول العالم الثالث، وهي ربما أول مرة يظهر فيها اهتمام أو اتجاه تركيا ناحية العالم الثالث منذ قيام الجمهورية.
 

مع أواخر عقد الستينيات، لاحت في الأفق بوادر تهدئة كبرى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهي ما تبعها تراجع أهمية تركيا إستراتيجيًا لدى الولايات المتحدة، وانخفاض الدعم المالي الأمريكي المقدم لتركيا بشكل ملحوظ، علاوة على ازدياد التوتر بين الغرب بشكل عام وتركيا حيال ملف الأزمة القبرصية الذي أخذ يزداد سخونة تدريجيًا حتى وصل لذروته مع قرار تركيا غزو شمال قبرص وإعلان جمهورية منفصلة للأتراك هناك، وهو قرار أخذته حكومة بولنت أجاويد رئيس حزب الشعب الجمهوري العلماني صاحب الميول اليسارية (2).
 

في فبراير 1975، وردًا على الغزو التركي، قرر الكونجرس الأمريكي حظر بيع الأسلحة بشكل تام لتركيا، والتي قامت بدورها بإبطال معاهدة 1969 التي سمحت للجيش الأمريكي باستخدام بعض المنشآت التركية، ومن ثم فقد الأمريكيون أربعة منشآت إلكترونية هامة لجمع المعلومات الاستخباراتية كانت داخل الأراضي التركية، علاوة على إعلان تركيا بأن قاعدة إنجيرلك ستكون مقصورة على أية جهود أمريكية في إطار نشاطات حلف الناتو، وأن الاستخدام الأمريكي المفتوح لها لم يعُد ممكنًا، وهي قرارات أدت للتفاوض من جديد بين الطرفين، وعودة العلاقات العسكرية لسابقها خلال أقل من عام، إلا أن عودة المياة لمجاريها اقتصرت على التعاون العسكري فقط.
 

التعاون التركي الروسي أثناء الحرب الباردة
طوال الحرب الباردة، وبينما شعرت تركيا بحاجتها إلى بناء قاعدة صناعية ثقيلة، قوبلت طلباتها للمساعدة من الأمريكيين بالرفض المستمر، حيث اقتصرت نظرة واشنطن إلى تركيا باعتبارها حليفًا عسكريًا واستخباراتيًا هامًا مجاورًا لروسيا يتيح تحقيق الموازنة العسكرية والتجسس للولايات المتحدة، وهي نظرة لم تتعد تلك الأهداف أبدًا إلى محاولة إنشاء حلف مع تركيا كهدف بحد ذاته، وبالتالي لم تنظر بعين الاعتبار لحاجات تركيا الصناعية والاقتصادية.
 

على العكس من ذلك الموقف كان الموقف الروسي، والذي أدرك صعوبة تغيّر الواقع الجغرافي الذي يحتم التعاون العسكري والاستخباراتي التركي الأمريكي، دون أن يكون ذلك حائلًا بالضرورة يمنع تعاون البلدين في مجالات أخرى، لا سيما وأن روسيا امتلكت رغبة في تشكيل علاقة جيدة مع تركيا كهدف إقليمي بحد ذاته، كنتيجة طبيعية لانتمائهما لنفس المنطقة، وكذلك بسبب ميلها للنظام العسكري التركي الجديد المتحفظ على السوق الحر، والمنفتح أكثر على اليسار.
 

وضع الروس حجر الأساس لأول مصنع حديد وصلب تركي في مدينة إسكندرون، وهو مصنع لا يزال الأكبر في تركيا

على غرار ما قامت به روسيا مع الكثير من بلدان العالم الثالث، حصلت تركيا خلال الستينيات والسبعينيات على الكثير من الدعم الاقتصادي والصناعي الروسي، بدءًا من القروض الصغيرة، وحتى الدعم التقني المباشر في إنشاء صناعات ثقيلة، وهو دعم أدى لتأسيس صناعة الحديد والصلب التركية، حيث وضع الروس حجر الأساس لأول مصنع حديد وصلب تركي في مدينة إسكندرون، وهو مصنع لا يزال الأكبر في تركيا، بالإضافة لمنشأة علي أغا للبتروكيماويات في إزمير، والتي دشنها الروس وتظل فاعلة إلى اليوم.
 

تعمّق التعاون الروسي التركي بينما حصل الأتراك على الدعم الفني المطلوب لتأسيس صناعتهم الثقيلة، حتى أصبحت تركيا في تلك الفترة أكبر متلقي للدعم الاقتصادي والفني الروسي خلال الحرب الباردة خارج نطاق بلدان حلف وارسو، وهو دعم لم تضاهيه الولايات المتحدة في تلك المجالات أبدًا، وإن سار للمفارقة مع دعم غربي صلب على الصعيد العسكري (3).
***
 

تمثل قراءة تلك الصفحات من التاريخ المعقّد للسياسة الخارجية التركية، ليس فقط دليلًا على تركيبية السياسة وبطلان الصورة المبسّطة أكثر من اللازم لطبيعة العداوات والتحالفات الدولية، ولكن دليل أيضًا على بطلان المقولات التي تتسم بالحتمية الجغرافية نوعًا ما، لا سيما في عصر تشكّل فيه الهيمنة الغربية، ولا تزال، إشكالية كبيرة في النظام الدولي، حتى بالنسبة لبلد مثل تركيا التي تعتمد على الغرب عسكريًا لحماية أمنها القومي.
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Bulent Gokay, Soviet Eastern Policy and Turkey 1920-1991, (New York: Routledge, 2006), p 88
(2) Ekavi Athanassopoulou, Strategic Relations between the US and Turkey 1979-2000: Sleeping with a Tiger, (New York: Routledge, 2014), p 8-10
(3) Barcin Yinanc, Getting the Turkish-Russian Normalization Right, Hurriyet Daily News, 



حول هذه القصة

Turkish soldiers at the scene of a bomb attack, on the main road to Diyarbakir, Turkey, 18 February 2016. At least six Turkish soldiers were killed dead in a bomb attack in the south-eastern province of Diyarbakir, the military says. The army has blamed the banned Kurdistan Workers' Party (PKK) for the bombing and claims the attack was targeting a military convoy. The attack came only one day after an explosion in Ankara killed 28 people.

قتل سبعة حراس قرى وجندي تركي وأصيب آخرون في هجوم لعناصر حزب العمال الكردستاني بولاية آغري شرقي تركيا. ويأتي الهجوم بينما تواصل القوات التركية عملياتها الجوية والبرية ضد مسلحي الحزب.

Published On 16/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة