"السيلفي".. ما بين الثقافة و الفضيحة

BLOGS-سيلفي

عندما كنت في الابتدائية لم يكن في قريتنا كلها "كاميرا" أو مصور، ومع بداية كل عام دراسي كانوا يأتون بمصور – من مدينة حماة – خصيصا إلى المدرسة لكي يأخذ صوراً لكل الطلاب.

لا أنسى صورة ذلك الشاب الوسيم الأنيق الطويل، كان شعره طويلاً أيضاً مسرح بطريقة أنيقة على الجانب الأيمن، حليق الذقن والشاربين، يلبس "كرافيتة" ملونة بألوان زاهية، يأتي على دراجة نارية بيضاء اللون. وحتى موديل دراجته كان مختلفا ولم يكن على شاكلة دراجات أهل القرية رغم كثرتها، وكانت أنيقة بأناقة صاحبها، و كأنها صنعت خصيصاً له كونه مصور.

مع انتشار الجوالات و التقنيات الإلكترونية الحديثة، بات الإنسان قادراً على أن يجعل حياته في بث حي و مباشر

كان المصور يمر على صفوف المدرسة صفا صفا، وعندما يأتي دورنا نصطف ونقف في رتل واحد لكي نسهل  ونسرع من عمله. ويباشر المصور بالتصوير وكنا نظن أنفسنا أننا في بث حي ومباشر على العالم كله في تلك اللحظات العصيبة، نحبس فيها أنفاسنا ريثما يلمع "فلاش" "كاميرته" ليعلن انتهاء دورنا و يأتي من هو بعدنا صورة واحدة فقط ، و لا ندري من سيكون سعيد الحظ و تكون صورته ناجحة ، لأن كثير من الصور تكون على غير ما نتوقع، فإما أن يكون صاحبها مغمض العينين، أو فاتح الفم، أو مائل الرقبة.

كان شوقنا كبيرا جدا لمشاهدة صور وجوهنا وهي تتألق على الورق اللامع، رغم أننا كنا نشاهدها كالحة دوما في المرآة، كنا ننتظر – بشوق- أياماً  وربما أسابيع، ريثما يعود المصور إلى المدرسة حاملاً معه صورنا وأحلامنا.

أما اليوم ومع انتشار الجوالات والتقنيات الإلكترونية الحديثة، بات الإنسان قادراً على أن يأخذ صوراً لنفسه في كل وقت وفي أي مكان يشاء، ويستطيع أن يصور واقعه لحظة بلحظة، سواء عبر صور ثابتة أو عبر "فيديوهات" بل أن يجعل حياته في بث حي و مباشر، ويؤرشف حياته بحركاتها و تجلياتها كاملة، ولم يعد الإنسان بحاجة لشخص آخر يصوره كما في "الكاميرا" التقليدية.

فاليوم بإمكانك و بنفسك أن تختار صورتك و أن تجمل من بسمتك و أن تعدل من وقفتك  وأنت تأخذ "السيلفي" لنفسك. لم تتوقف "الكاميرا" عن تصوير صور وجوهنا و وتحركات أجسادنا فقط، بل إن "الكاميرا" اخترقت أسوار بيوتنا سواء بشكل معلن أو بشكل خفي وكشفت أسرارنا، ونقلت كل ما فيها إلى الخارج.

وباتت حياتنا مكشوفة للجميع؛ ماذا نأكل ؟ ماذا نلبس؟ أين نحن؟ أين نتسوق؟ متى وأين سنسافر؟ لماذا اخلتفنا اليوم مع زوجاتنا؟ لماذا اليوم كنا سعداء، لم يبق هناك أية خصوصية لحياتنا و مقولة "للبيوت أسرار" سقطت في خبر كان.

ولم تتوقف "الكاميرا" عند ذلك الحد ، بل إنها اخترقت جلدنا و دخلت إلى أفئدتنا  وعقولنا ، و بقصد و بدون قصد ،أخرجنا كل ما لدينا من مشاعر، ومن أفكار، ومن خواطر، ومن تجليات، وقدمناها للآخرين على طبق من ذهب.

صحيح أن "الكاميرا" تصور الواقع كما هو بكامل تفاصيله ، لكن التصور البشري يضفي على الواقع لمسات تجعل من الصورة أكثر بريقاً

فمن خلال – ما يسمى – وسائل التواصل الإجتماعي  نبشنا أحلامنا و أحقادنا و ترهاتنا، و لم يعد هناك شيء اسمه عقل باطن ..فكل ما نفكر به و كل ما يرسو في قاع عقلنا ظهر و بان و أصبح يعلم به الجميع .

أعتقد لو كان معي "كاميرا" عندما كنت في الابتدائية  وأخذت صورة لذلك المصور فإن ذاكرتي اليوم لا يمكن أن تحتفظ بأي من تلك التفاصيل بعد مرور عدة عقود من الزمن رغم غرابة المشهد في حينه، فالصورة جميلة في وقتها  لكن التصور أجمل، صحيح أن "الكاميرا" تصور الواقع كما هو بكامل تفاصيله ، لكن التصور البشري يضفي على الواقع لمسات تجعل من الصورة أكثر بريقاً و أكثر ألقاً و حتى أكثر استمرارية مع الزمن.

فنحن كسبنا الصورة لكننا خسرنا التصور ..والتصور هو أساس الإبداع الإنساني وفي شتى مجالات الحياة. و لا أدري إذا كان "السيلفي" يشكل حالة إيجابية أم حالة سلبية في حياتنا؟ خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهل ستبقى مجتمعاتنا قادرة أن تحافظ على سِمَتِها بأنها مجتمعات محافظة، بعد كل تلك الإختراقات في شخصيتها وفي آمالها وفي آلامها وفي أدق تفاصيل حياتها حتى في غرف النوم؟



حول هذه القصة

تصفحت حلقة برنامج “المرصد” التي بثت أمس الاثنين بعضا من صور ألبوم الأحداث الكبرى، التي تبرز فيها دون عناء كيف أن الصورة كانت أقوى من مؤلفات المؤرخين وخطب السياسيين.

16/8/2016

خصص مهرجان كان السينمائي هذه السنة عروضا خاصة للأفلام والفيديوهات المنتجة بتقنية الواقع الافتراضي، وذلك ضمن فعالية “نكست” التي تعنى بكل ما هو جديد تقنيا في عالم الصورة والسينما.

16/5/2016

الصورة المفجعة للطفل عمران يجب أن تكون حافزا لجلب المقاتلين في سوريا إلى طاولة المفاوضات، والاستجابة الأكثر إيجابية لصدمة هذا الطفل وأمثاله هي الإسراع بتقديم الرعاية التي يحتجون إليها.

19/8/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة