الإسلام وأوروبا: توافق أم تضاد؟!

blogs - islamophobia - mainstory
عندما ذهب الإمام محمد عبده لمؤتمر باريس عام 1881، عاد إلى بلدِهِ ليقول قَولته الشهيرة: "ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً و لم أجد مسلمين. ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاماً".
ولربما تكون هذه المُلاحظة خيرَ بداية لما أودّ قوله. فكما يتضح من عنوان المقال، فإنه حتى نُجيب على السؤال المطروح فلا بد لنا أولاً من أن نحرر جوهر الإشكال ونطرحَ سؤالاً أوَّليا: ما هو الإسلام؟

الإسلام، في ضوء مقولة عبده، هو الروح الموجبة. بمعنى، أن الإسلام يتمثَّلُ في القيام بمسؤولية الاستخلاف في الأرض واستعمارها على الوجه الأقرب للكمال. هو البناء والتعمير والابتكار والإبداع إلى جانِب الأخلاق السامية الغير متعصبة لمذهب أو بلد أو حزب أو طائفة.
هذا ما وجده محمّد عبده في أوروبا أو الغرب عموماً، وهذا ما دفعه ليقول ما قاله. ولا ننسى أن نأخذ في الاعتبار أنَّ مقولته تلك استندت بشكل كامل إلى روح الإسلام وجوهره، لا إلى آلياته وتفصيلاته من عبادات وأحكام وغيرها.

فإذا نظرنا إلى الإسلام من هذا المنطلق، ثم تأملنا أوروبا المعاصرة وتفوقها الحضاري، وقارنَّاها بحال غالبية الدول العربية و"الإسلامية"، وتساءلنا: من الأقرب للإسلام، هم أم نحن؟ فإن الجواب، ربما، يتَّضح بجلاء.

قد يلتفِتُ كثيرٌ من الناس عن التفوق الحضاري الأوروبي، الذي لفَتَ انتباه محمّد عبده في المقام الأوّل، ويعترضون بغَضَب مستنِدِين، ربَّما، إلى إلزامات نظرية المؤامرة، فيقولون: ما لنا ولحضارتهِم! ألا ترى أوروبا اليوم وكيفية تعاطيها مع المسلمين فيها؟ ألا ترى أنَّ الأحزاب العَلمانية اليمينية التي تريد قمع المسلمين هناك بدأت تصعد بشكل مقلق؟ ألم ترَ ما جرى في فرنسا قبل فترة بخصوص البوركيني والتضييق على حريات المسلمين عموماً؟

في الحقيقة، لا يُمكِن لعاقلٍ أن يُنكِر جدارة هكذا اعتراض. فهُو بالتأكيد اعتراض في محلّه. ولكن حسبما أرى، وقد أكون مخطئا، أن امتعاض أوروبا الحالي ورفضها لمظاهر تديُّن "المسلمين"، هو ليس رفضا لروح "الإسلام" كما صوَّرها محمّد عبدهُ وتناولها في مقولتِهِ سالفة الذِّكر.

العلاقة في هذا السياق ليست علاقة ما بين "الإسلام" وأوروبا، بل بين "المسلمين" وأوروبا. والبَون شاسِعٌ ما بين العلاقتَين. وفي اعتقادي أنَّ الرفض الأوروبي، على الصّعيد الشعبي خاصَّةً، للـ"إسلام" هو رفض ظاهريٌّ عاطفيٌّ مستند الى تصرفات سلبية لبعض المسلمين المتطرفين في الشرق والغرب.

كما أنه مستندٌ في جانبه الأكبر إلى تهويل الآلة الاعلامية المتحيزة وعصر الفوتوشوب والقصّ واللصق الذي سلَّط الكاميرا على إرهاب بعض الجماعات الإسلامية وقزَّم الإرهاب الأكبر الذي تُمارسُهُ الدول الغربية والعربية بدعوى الديمقراطية بينما هي، في الحقيقة، تمارس سياسة المصلحة على الطراز الميكافيللي لا أكثر!

وأحبّ أن أؤكّد أنَّ هذا المقال، لا يهدف الى أن يخُصّ أوروبا فقط باتّباعها سياسةً ميكافيللية متطرفة. فإن هذا التطرف ليس حكراً على أوروبا، وهذه المصلَحِية في التعاطي مع الآخر ليست مقتصرة على الدول الأوروبية والسياسيين الأوروبيين! فسياسة المنفعة باتت تحكم الأفراد في تعاملاتِهِم الشخصيَّة، فما بالُكَ بالدُّول والأنظمة الشرقيّة والغربية!

وحتى نكون واضحين فيما يتعلق بالأحزاب الأوروبية المتطرفة، فلا أعتقد أنه من الإنصاف أن نضع أوروبا في خانة العداء مع الإسلام أو المسلمين لمجرّد صعود نسبي لأحزاب متطرفة. فإنه استنادا إلى مقولة محمّد عبده، فإن المسلمين الذين يفتقدون لروح الإسلام الموجبة لا يمثلون الإسلام.

وأنا أستضيء بذلك وأُسقِطُهُ على القضية المطروحة فأقول أن التطرف والميكافيللية، الأوروبية وغيرها، لا تمثل إلا نفسها. وعلى غرار ذلك قِس: المسلمون المتطرفون لا يمثلون الإسلام، والمسيحيون المتطرفون لا يمثلون المسيحية، واليهود المتطرفون لا يمثلون اليهودية، والعَلمانيون المتطرفون لا يمثلون العلمانية. فإن المفكر أو المتدين، المتطرف على وجه الخصوص، لا يمثل الدين أو الفكرة بل يمثل تطبيقاً بشريا محكوما بالقصور والخطأ، وقد يكون محكوماً أيضاً بالقانون الدارويني "البقاء للأصلح"، أو حتّى بالقانون الأخرويّ"اللهمّ نفسي"!

وما يثيرُ العجَب، أننا كشعوب عربية ومسلمة بالتحديد، في غالبيتنا ربَّما، نفتقِد التفكير المتوازن والهادىء خاصَّةً عندما يتعلق الأمر بالغرب وعلاقتنا معه. فعندما تسأل أي أحد في شوارع بلداننا العربية عن أوروبا، فإنَّ الغالبية، حسب مشاهداتي، ستقفُ موقفَ الناقِد، والمؤمن بأنَّ الغرب يُضمر للإسلام شراً. ولربّما يتلو عليك كثيرٌ منهم الآية: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتّى تتبع ملّتهم".

وعند التأمُّل المُتجرّد في هذا المشهد، يحقّ لنا أن نتساءل: هل أوروبا و"الإسلام" ضدّان حقاً؟ أتكون المواقف السياسية الأوروبية المحكومة بالمنفعة والمصلحة تجاه القضايا العربية والإسلامية إضافةً إلى مساهمة الجماعات الإسلامية المتطرفة في قلقلَة أمن بعض الدول الأوروبية هي أساس النزاع المزعوم بين أوروبا و"الإسلام"؟ وبناءً على ذلك، أيكون "الإسلام" خارج المعادلة كلّها ولا علاقة حقيقية له بالنزاع، ويكُون الواقع أنّ أوروبا و"المسلمين" هُما الضدّان الحقيقيان؟

قد يبدو هذا الطرح ساذجاً للوهلة الأولى، خاصّة في عيون المؤمنين بالمؤامرة الكونية على الإسلام وأهله، ولكنه يستحق أن نتعمق به أكثر وأن نفكر فيه بأفُق أوسع. عسى أن نصِل إلى مقاربة أشمَل وتوصيف أدقّ للواقِع.



حول هذه القصة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، إن للإسلام مكانه الطبيعي في أوروبا بحكم تأثيره على أسلوب الحياة هناك، معتبرة أن “الإسلام هو أوروبا وأوروبا هي الإسلام”.

25/6/2015

مع تجدد التصريحات السياسية الرسمية بشأن خطر ما يُسمى الإرهاب في ألمانيا وأوروبا عموما, يرى شبيب أنه توجد أسباب عديدة لضرورة التمحيص فيما يقال، فضلا عن التساؤل عن مدى علاقة ذلك بحملة جديدة من حملات “التخويف المرضي من الإسلام” في الغرب عموما.

وقعت مواجهات وتراشق بالحجارة بين ناشطين من اليسار الألماني وقوميين متطرفين ألمان على خلفية مؤتمر يعقد الجمعة والسبت في كولونيا غرب ألمانيا مناهض لانتشار الإسلام في أوروبا ويرفض هجرة المسلمين وغيرهم إلى ألمانيا وأوروبا بصفة عامة.

19/9/2008

صعدت الولايات المتحدة وأوروبا ضغوطها على أفغانستان بشأن قضية أفغاني يواجه عقوبة الإعدام بسبب ارتداده عن الإسلام واعتناقه المسيحية. وأجرت وزيرة الخارجية الأميركية اتصالا هاتفيا بالرئيس الأفغاني طالبة منه التدخل لحل القضية، كما تعهد الأوروبي ببذل ما بوسعه لإنقاذ حياة الأفغاني.

23/3/2006
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة