يوم في غرناطة

راحت الرياح التشرينية تداعب وجهي عندما خرجت من محطة الحافلات قادماً من مالقة، أخذت نفساً عميقاً ورحت أنظر إلى الورقة التي أعطاني إياها موظف الاستقبال وقد شرح لي فيها كيف أبدل حافلتين لأصل وجهتي التي أنشدها: حي البيازين العتيق، جررت حقيبتي الصغيرة وقد كانت تصدر صريراً راح يلفت كل من حولي بعد أن اهترئت عجلاتها لكثرة الشوارع التي سحبتها عليها، فقد كنت قد اتخذت عهداً على نفسي قبل بداية الرحلة بأن لا أستقل إلا المواصلات العامة ليتسنى لي رؤية أكبر قدر من المعالم والآثار، وهكذا كان علي أن أمشي الكثير من الكيلوميترات على قدمي حتى أصل إلى وجهتي في كل مدينة أزورها.
عندما وصلت محطتي المنشودة قفزت مسرعاً من الحافلة، ولأنني لست من هواة التكنولوجيا، فلم أتتبع جهاز تحديد المواقع "جي بي اس" بل رحت أسأل الناس الذين أصادفهم في الشارع عن وجهتي بما أعرفه من كلمات إسبانية قليلة، والتي سرعان ما كانت تتحول لحوار بالإنجليزية، لقد كان الأمر مرحاً قليلاً فجل من سألتهم لم يكونوا يعرفون سوى الإسبانية لذلك كان علي أن أتتبع حركة أيديهم لأحفظ ما علي فعله، والتي ما ألبث أن أنساها بعد أن أقطع شارعين أو أكثر فأعود للسؤال من جديد.

المشاعر المتضاربة التي تعصف بكيان الواحد منا في غرناطة هي سمة مميزة لكل من زارها، خليط من المشاعر من الصعب وصفه.

عندما وصلت لساحة "بلازا نويفا" ورأيت أسراب الحمام البيضاء تطير وتحط حول النافورة التي تتوسط الساحة، ورأيت السياح الذين غص بهم المكان غمرتني بهجة استثنائية، إرث الأجداد مزار يقصده الملايين حول العالم، لقد كانت سعادتي ممزوجة بنوع من الفخر، فحثثت الخطى نحو البيت الذي استأجرته، ودخلت من شارع ضيق والذي كان علي أن أتسلقه، فرحت أتصبب عرقاً وحقيبتي لا تكف عن إصدار صريرها، أما أغرب ما في الأمر هو نظرات الناس من حولي ،والتي كانت ترمقني على نحو غريب.

عندما وصلت لنهاية الشارع ولم أجد أمامي إلا بوابة ضخمة تبين لي ما سبب تلك النظرات التي كان يرمقني بها الناس من حولي، فسألت شاباً داخل دكان يزخر بتراث غرناطة الإسلامي: أين أنا؟ فأجابني أنت أمام مدخل قصر الحمراء! فتبين لي أنني أخطأت الطربق فلم أتمالك بسمتي، وقلت في نفسي يبدو أن القدر يريد أن يوصلني إلى قصر الحمراء الذي لطالما حلمت بزيارته بأسرع مما توقعت، وحتى قبل أن أبدل ملابسي! فعدت لسؤاله عن مكان سكني ولحسن حظي فقد كان يتقن الإنجليزية ففهمت بالتفصيل، وفي النهاية أخذ ورقة الحجز ليتأكد للمرة الأخيرة من اسم الشارع وقد اعترتني الدهشة عندما التفت نحوي وقال "اسمك عمر؟" فقلت له: "أتتحدث العربية؟" لتأتيني الصدمة الثانية بأنه لا يتحدث العربية فحسب بل إنه من المغرب واسمه عمر أيضاً!

عرفته عن نفسي ووعدته بالعودة إليه في نهاية رحلتي لأشتري بعض التذكارات من المتجر الصغير الذي يعمل فيه، والذي يحتوي على التحف التي تتوزع في كل زاوية والتي تنطق بعظمة وذوق وفن الحضارة الأندلسية التي توهجت ذات يوم وما زال طيف وهجهها ينطق بالعظمة التي كانت عليها.

وعندما نزلت الشارع من جديد كانت الفكرة التي تسيطر على بالي هي غرابة الأقدار: هكذا بعد نحو خمسمائة عام على سقوط غرناطة يقف شابان عربيان كلاهما اسمه عمر أمام قصر الحمراء تماماً، كما بكل تأكيد وقف الكثير ممن يحملون اسم عمر أمام هذا القصر قبل ذلك الوقت الطويل، لكن هذه المرة أحدهما سائح يحمل تأشيرة زيارة والآخر عامل بسيط في متجر لبيع التحف من التراث الغابر.

الفخر، السعادة، الحزن، الدهشة، الحماس، الألم، كلها مشاعر تسيطر عليك وأنت تتجول في غرناطة.

عندما وقفت على نهر حدرة باغتتني مشاعر مختلطة، وقد اعتصرني حزن لم أجد سبيلاً لدفعه، أجل إن المشاعر المتضاربة التي تعصف بكيان الواحد منا في غرناطة هي سمة مميزة لكل من زارها، خليط من المشاعر من الصعب وصفه وأنا أمشي في أزقتها الضيقة المرصوفة بالبلاط وبيوتها الصغيرة البيضاء، عرفت وقتها لماذا يسمى الأندلس بالفردوس المفقود.. الفخر، السعادة، الحزن، الدهشة، الحماس، الألم، كلها تسيطر عليك وأنت تتجول هناك.

ولأنني أردت استغلال كل لحظة من وجودي في غرناطة الجميلة، بعد أن وصلت مكان سكني والذي حرصت أن يكون بيتاً غرناطياً عتيقاً حوله أصحابه إلى بيت شباب (هوستل) بدلت ملابسي واستحممت بسرعة ولم أرتح من عناء رحلتي الطويلة، فنزلت مرة أخرى لأستكشف المزيد بالرغم من تعبي، فأنت لا تكون كل يوم في غرناطة.

كلمة "حلال" على المطاعم تجذبك كقوة مغناطيسية رغما عنك لتسد جوعك، لهذا دخلت المطعم التركي ورحت أقرأ قائمة الوجبات وأفاضل بينها، عندما سمعت أحدهم يغني بالعربية إلى جانبي، نظرت فإذ به النادل الذي يعمل في المطعم، ولأنك تستشعر حلاوة اللغة العربية على لسانك عندما تكون في الخارج، ولأنك تشعر بدفء حميمي يقربك من ذوي بجدتك، قلت له من دون مقدمات "كيف حالك؟ وبعد أن تحدثت معه قليلاً عرفت أنه من سوريا، وأنه يعمل هنا وأن عدد العرب الفارين من جحيم الحروب ومن الظروف الاقتصادية الصعبة في ازدياد مضطرد، وعندما اضطر للذهاب لتلبية نداء زبون آخر جلست على طاولتي بعد أن تكفل وقدم لي أفضل ما يقدمه المطعم، وتنهدت في عمق ورثيت حالنا، وتذكرت أن قصة سقوطنا ليست وليدة اللحظة، وراحت تتردد في ذهني المقولة الشهيرة "إن من لا يقرأ التاريخ محكوم عليه إعادته" وما أشبه اليوم بالأمس!

لم تكن هذه سوى بداية الرحلة، فبعد أن أنهيت غدائي كنت على موعد مع جولة غيرت حياتي ومنظوري للأشياء إلى الأبد، فالشاب الذي كان يعمل كدليل سياحي والذي ترك الهوندوراس وقال أن سحرغرناطة أسره بحيث أنه لم يعد يستطيع العيش في مكان آخر، أخذنا في جولة داخل أحياء البيازين، ومن ثم جبل ساكرومونتي الذي فر إليه المسلمون وسكنوا في مغاراته هربا من الاضطهاد، وأخيراً قصر الحمراء الدرة التي تنتصب في الجانب المقابل من نهر حدرة. أما المغامرة الكبيرة في هذه الأماكن الثلاثة والحكايات الغريبة والعجيبة التي سمعتها فيها فستكون محور حديثنا في الجزء القادم إن شاء الله.



حول هذه القصة

قال المستشرق الإسرائيلي رؤوبين باركو إن الهدف من “المصالحة الفتحاوية الداخلية التي تقوم بها بعض الدول العربية هو رفع أسهم محمد دحلان ليكون وريثا محتملا للرئاسة الفلسطينية”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة