هل نبدأ بالصلاة مثل أهل عُمان؟!


أريق في السودان دم كثير من أجل السلام، تبعه إراقة حبر أكثر.

 

منذ ذلك الوقت الذي بدأنا فيه بسكب الدماء والأحبار لم تتوقف هذه النار عن عشقها الممنوع لبلادنا وأهلنا، واسمحوا لي أن أريق هنا بعضا من حبر حول ذات الأمر، وليكن عزاؤكم أنها نقطة في بحر.
 

لو قدّر للسوداني الذي يشابه العماني في السماحة والطيبة، أن يدخل إلى أحد مساجد عمان فسيستمتع بالصلاة، وبالاختلاف الذي فيها
 

اعتاد المواطن السوداني أن يبدأ صباحه دائما في خوض الحروب، وهي حروب من كل نوع، وفي أكثر من جبهة

ستسألني وما علاقة الصلاة وعمان بالسلام في السودان، وسأقول لك حين يفرغ الإمام من صلاة العصر وينتهي من تلاوة الباقيات الصالحات ينتصب المصلون في الصف الأول ويبدأ الإمام في تحيتهم وإلقاء السلام عليهم واحدا واحدا، يبدأ من يمين الصف إلى أن ينتهي بيساره، وحين يفرغ من مصافحة جميع من في الصف، يبدأ الصف نفسه في السلام على نفسه، كل مصلي يبدأ بتحية الباقين مثلما فعل الإمام تماما، إلى أن يكون كل من في المسجد قد صافح الآخر وحياه يدا بيد، وبكل نظام.
 

أيكون هذا النظام (السلام المنضبط) هو ما نفتقده في السودان؟ حيث اعتاد المواطن السوداني أن يبدأ صباحه دائما في خوض الحروب، وهي حروب من كل نوع، وفي أكثر من جبهة؛
 

سيكون عليه أن يحارب (التكشيرة) التي ترتسم على محياه رغما عنه، سيبدأ في محاربة نفسه والآخرين للظفر بمقعد في المواصلات العامة، سيجلس مرتاحا على المقعد وهو يتذكر حربه بالأمس مع زوجته وأولاده ومطالباتهم التي لا يطيقها مرتبه المحدود، وستكون تلك الفتاة مطالبة بمحاربة العنوسة، وسيحارب ذلك الشاب البطالة، وستتدخل الحكومة في المعركة لتحارب الفساد والفقر والملاريا ولن ننسى محاربة الإيدز، هل قلت إننا لن نحارب الإرهاب والعنف والمخدرات والعمالة الأجنبية غير المشروعة؟!
 

لقد صممنا حياتنا -أو سممناها لا أدري- على فكرة المحاربة، بعد أن تغلغل فعلها في الدماء التي سالت منذ ما قبل الاستقلال حتى الآن.
 

المشكلة أننا لم نستطع أن نتوصل إلى نموذج معقول لسلام نتطلع إليه كلنا وننهي به عقودا من الأزمات الوطنية، هل المشكلة فعلا في (السلام المنضبط) الذي لم نعرفه طوال حياتنا السودانية التي باتت تتسم بالفوضى وتستهوي اللا مبالاة؟
 

سنحتاج إلى سلام منضبط بالوقت وليس سياسة لكسبه من أجل الذات الحزبية، سلام منضبط بالأخلاق والمواثيق

لا نحتاج حقا إلى أي سلام، نطمح إلى سلام منضبط فعلا، في حياتنا الاجتماعية قبل السياسية.
 

وما دام السلام السوداني ظل يتجوّل على المدن الأجنبية – نيفاشا، أبوجا، أديس أبابا، ناكورو، باريس، فرانكفورت، طرابلس، مشاكوس، أسمرا، القاهرة، والدوحة، وأخيرا مرة أخرى أديس أبابا – فلربما طال التجوال ولم نظفر بوجه الحبيبة يطل مرة أخرى على وجع المشتاق.
 

سنحتاج إلى سلام منضبط بالمكان السوداني وليس غيره، سلام منضبط بالوقت وليس سياسة لكسبه من أجل الذات الحزبية، منضبط بالأخلاق والمواثيق، بالشعب الذي نادرا ما يُستشار في أي عملية سلام كبيرة.
 

هل عرفتم سر عمليات السلام الفاشلة في السودان منذ أزمة الجنوب حتى أزمة دارفور؟! إننا نفتقد السلام المنضبط يا سادة، فهل نبدأ بالصلاة مثل أهل عُمان؟



حول هذه القصة

عاد الجنيه السوداني للتدهور أمام الدولار بدرجة أثارت الجدل بشأن الأسباب الحقيقية، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة مرارا أنها تسعى لمعالجة الأمر عن طريق إجراءات اقتصادية.

أجرى الرئيس الكيني أوهورو كينياتا مباحثات في جوبا مع رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت تركزت على تنفيذ اتفاق السلام الشامل الموقع بين الحكومة والمعارضة.

بحث المبعوث الأميركي للسودان دونالد بوث -الذي يزور الخرطوم هذه الأيام- مع الحكومة السودانية، سبل استئناف المفاوضات مع الحركات المسلحة في إقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة