من عبودية الفيسبوك إلى حرية التدوين

يبدو غريبا أن أشعر بالحزن على إلغاء حساب افتراضي .. لكن .. تزول الغرابة حين أدرك أنه قد كان سببا حقيقيا في تغييري .. حين أدرك أنه المرآة الحقيقية التي كشفت مقابض الشر في ذاتي ومراكز النور منها .. تعرفت به على أنواع البشر وعديد الشخصيات من مثل القيم إلى ظلالها .. ساهمت كل منها في تشكيلي بين كسر و صقل .. في تغيير قناعاتي وتجديد مبادئي واختبار أخلاقي على محك المواقف ..

سأكون موضوعية الحزن حين أدرك أنه أخذ مني وقتا بلغ نصف العقد من عمري .. تطور فيه عقلي حين تشرب فنون القراءة وعشق بذور السؤال .. حين شحذ لساني ملفظه بين آداب الرد تلطفا .. وإمضاء السيف تنطحا .. وبتر الحوار تكلفا .. فيه تفتحت زهرة قلبي ربيعا .. وأينعت عبيرا .. وذبلت خريفا .. فيه لاقيت فرحت حزنت وبكيت .. تعلمت تطورت تدهورت تغيرت وقسوت …

أعتذر لأني غادرتكم فجأة وفي منتصف الطريق، لأن ما معي ما عاد يكفي لأبقى.. لأن مساري انتهى هنا ليبدأ في مكان آخر 

حقا .. لم يكن حسابا إفتراضيا .. كان طفلي الذي يكبر .. عمري الذي يمضي .. نافذتي إلى نفسي وإلى الوجود .. حامل أملي وألمي .. مصلب كلمتي وفانوس عقلي .. كان خلوتي ومستشفى قلبي .. كان غاري وحائط مبكاي .. كان أنا في أرقى وأسوء تجلياتي.

أصدقائي .. أحبائي (الذين كنتم ورحلتم .. والذين لازلتم ورحلت عنكم) كعادة الراحل والمسافر .. أحمد خطوكم الماضي معي .. وأمتن لكل ما علمتموني إياه صراحة أو تلميحا .. بحضوركم أو غيبتكم .. أعتذر لأني غادرتكم فجأة وفي منتصف الطريق لأن ما معي ماعاد يكفي لأبقى .. لأن مساري انتهى هنا ليبدأ في مكان آخر .. لأسترد ما ضاع مني هنا وأنهي عقدي الثالث بخولة أخرى ..

وكعادة المودع .. أطلب عفوكم على ما قصرت والمغفرة على ما أذنبت .. بشرط أن تتمنوا لي كل خير …
كونوا بخير دوما ..

منذ أيام كانت هذه رسالتي الأخيرة قبل هجرتي من الفايسبوك .. بعد أن بلغ بي الأمر إلى أن أستعبد نفسي في عالم أزرق دون أن أتقن سباحتي الخاصة في عالم الفكر .. أحطت نفسي بخندق ضيق من أساليب الكتابة والقراءة .. واتجاه معين من الأفكار ضيق نظرتي ومطالعاتي .. ورؤيتي للقضايا والأحداث .. حتى إن خلقي للفكرة لم يعد يخرج عن المعطيات التي تحيط ملابسات تأسيس رؤية حرة .. وفي الغالب ما هي إلا ردات فعل متسرعة متعصبة تعلو وتنخفض وتيرتها حسب خصوصية وعمق الحدث.

هناك في الفايسبوك.. تستعبدك القصاصات الفلسفية الفكرية والشعرية وحتى الخواطرية على طريقة "الفاست فود" .. تستهويك أقصر العبارات الملفقة العامة والسطحية على نموذج "حمالة أوجه" أين تمنح عقلك كسل قراءتها بالوجه الذي تريد .. دون إعمال عقل أو إحقاق الدليل ..

أن يقرأ لك واحد فقط بعقل ناقد وذهن متوقد خير من جمهورلا يفقه من القراءة إلا متعة لحظات
" 

هناك تفشل في أن تمنع نفسك من التأثر النفسي بتلاعب الأحداث المحلية وطرق طرحها ..
والتزعزع الإيماني والمعرفي أمام تيارات الإلحاد وشعارات التنوير .. تنتهي في الأخير إلى تعددية الآراء دون أن تستند على ما يدعم وقوفك بين كل تلك التوجهات .. هناك النقد ممنوع لأنه سينتهي بجدال بيزنطي .. أو تسليم مطلق لمن غابت عنه الملكة النقدية .. هناك البقاء للأكثر تواجدا والأقوى بيانا.

قررت نحر الفايسبوك لاستعادة حريتي منه والتوجه إلى فسحة المدونات .. هنا ستكون منبرا منتجا ومؤثرا .. باحثا فعالا وخاصعا للنقد بطرق علمية .. هنا الخطأ بعشرة .. لا أحد يكتب ليستعرض أو ليكتسب جمهورا .. هنا أنت لا تكتب لمن هب ودب .. ولا لجمهور محدد .. هنا تكتب لتتطور وترتقي .. لتشعر أنك تؤدي كلمة يبلغ صداها أكثر من مجرد لايكات يضعها الأغلب دون قراءة ..

فأن يقرأ لك واحد فقط بعقل ناقد وذهن متوقد خير من جمهورلا يفقه من القراءة إلا متعة لحظات .. ويمضي يقلب بين المنشورات كمن يقلب القماش دون أن يشتري أو يكتسي .. إنه زمن الرداءة عند الكثرة .. والكثرة تفسد أيا كان نوعها.

مرحبا بعالم المدونات .. مرحبا بالريادة.



حول هذه القصة

حدثت واتساب سياسة الخصوصية بما يتيح لها مشاركة معلومات الحساب لمستخدميها مع منصة فيسبوك، لكن يمكن مع ذلك للمستخدمين الراغبين في الحفاظ على خصوصيتهم منعها من القيام بهذا الأمر.

دعت منظمة هيومن رايتس ووتش سلطات الجزائر إلى إلغاء حكم بالسجن عامين على المدون محمد تامالت، المتهم بنشر محتويات على صفحته في فيسبوك تسيء إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

أعلنت شركة فيسبوك قبل أيام عن تحديث جديد في سياسة الخصوصية لتطبيق “واتساب” المملوك لها أصبحت بموجبه تشارك معلومات الحساب الخاصة بمستخدميها مع فيسبوك بحجة تحسين محتوى الإعلانات الموجهة إليهم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة