مركزية القيادة عند الجماعة السياسية في السودان

"كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي مغسله"
 

بهذه المقولة السائدة في الجماعات الصوفية سار درب الدعوة الإسلامية بتيسير وسلاسة في غالب بلاد أفريقيا و خاصة أرض السودان، و بالرغم من مخالفة هذه المقولة لأصول التفكير الحر و المنطق السليم ظلت ثقافة عامة حتى في السلوك الاجتماعي بشكل عام.
 

غالب الحركات السياسية السودانية تأثرت بمركزية القيادة أو ما يسمى بكاريزما القائد الملهم وتأثر الحراك الفكري داخل تلك الجماعات برؤية القائد 

و قد خلقت هذه الثقافة جمودا شديدا في حركة الفكر لدى الجماعات الدينية، و لسنا هنا بصدد قراءة الأثر في نفسه أو نقده من ناحية منطقية أو دينية و لكن نسعى لمعرفة أثار انتشار هذه الثقافة و تمددها داخل الجماعات السياسية و خاصة في السودان.
 

فغالب الحركات السياسية- إلى حد ما- تأثرت بمركزية القيادة أو ما يسمى بكاريزما القائد الملهم، و لقد تأثر الحراك الفكري داخل تلك الجماعات برؤية القائد تسير معه حيث سار و من يخالف فخائن لمبادئ الحزب و أفكاره أو بمسمى أخر منبوذ.
 

و قد لا يكون التقديس ملاحظا في خطابات الجماعة السياسية، و لكنه ظاهر في سلوك أفراد المنظومة و يمكن تبين ذلك في المركزية الشديدة التي يلتف بها الأفراد حول الزعيم بما يشبه التفاف المريدين حول الشيخ.
 

من الآثار السيئة بل و الضارة جدا بحركة الجماعة السياسية نتيجة لذلك هو تجمد حركة الحزب بعد غياب القائد، فينحدر نشاط المجموعة بشدة و تتدهور أنظمته التنفيذية ليس لسبب إلا لأنها جعلت من الزعيم رأسا لجسدها فمات الرأس و تبعه الجسم بلا مقاومة.
 

ظهر ذلك جليا في الجماعات الإسلامية التي اقتحمت مجال العمل السياسي و ذلك لخلطها فقه سماحة الشيخ الذي يفتي فيطاع و بين مجال العمل السياسي الذي تتكاثر فيه التقديرات تبعا للمصالح و تنعدم فيه القداسة في الفكرة أو الرأي.
 

و لعل هذا الأثر الصوفي ظهر حتى في حركات اليسار و لم يفارق سلوك أعضائها بالرغم من أنها تعتبر أحزاب مستقلة عن التفكير الديني، و ذلك ليس إلا لأن الأثر التربوي للجماهير الصوفية في المنطقة الأفريقية ممتد لمئات السنين في السلوك المجتمعي و لا ينمحي في بضع سنين رغم التقدم المادي الذي سهل الوصول لأفكار أخرى خارج هذا السياق المنغلق.
 

فالحركة الإسلامية السودانية كحالة خاصة لا ينفك أتباعها يخلطون في العمل السياسي بين رأي الزعيم الراحل حسن الترابي و بين الاجتهاد السياسي في الرأي، و لم يفارق ذلك تفكير الأتباع حتى بعد تقسمهم لحزبين سياسيين أحدهما حزب المؤتمر الوطني الذي نشأ كذراع سياسي للحركة الإسلامية و حزب المؤتمر الشعبي تحت قيادة الترابي منفصلا من الحركة الإسلامية التي أسسها هو نفسه،
 

تحتاج الجماعة السياسية في السودان لبناء قاعدة سياسية صلبة من الأتباع الذين لا يستخدمون واجهات التكفير والتخوين لكل مخالف داخل الصف

و تسبب ذلك في خروج كثير من القيادات المبدعة التي تفكر خارج الصندوق من عباءة الحزب في ظل المركزية التي مارسها القائد السياسي أو الشيخ كما يسميه أتباعه، و ظهر ذلك جليا بعد وفاته إذ لم يجد الحزب حتى اللحظة من يملأ الفراغ ليس لأن الشيخ كان خارقا بل لأنه لم تكن هناك فرصة أصلا لغيره أن ينمو خارج ظل الشيخ، و تأثر نشاط الحزب حتى اللحظة بوفاة الزعيم الملهم.
 

و بعض أحزاب اليسار في السودان كالحزب الشيوعي السوداني في عهد السكرتير العام محمد إبراهيم نقد و الذي يعتبر متصالحا في طريقة إدارته للحزب، إلا أن الأزمة كانت في الأفراد الذين يقدسون القائد لا في القائد نفسه، و بعد وفاة نقد وجد الحزب نفسه فجأة أمام أزمة قيادة حادة تسببت في تنازع كبير بين الصف الأول انتهى بخروج طائفة منه معلنين انشقاقا لحزب ظل صامدا لفترة طويلة في ظل جو سياسي مفعم بالتشقق و التشرذم.
 

تحتاج الجماعة السياسية في السودان لبناء قاعدة سياسية صلبة من الأتباع الذين لا يستخدمون واجهات التكفير و التخوين و النبذ لكل مخالف داخل الصف، فالعمل السياسي بشكل عام مناطه الاجتهاد في الرأي و هو بين الصواب و الخطأ وفقا للتقديرات و لا يتقيد إطلاقا بفتوى دينية أو مقولة خالدة لزعيم ملهم.



حول هذه القصة

أثارت تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير، بإغلاق باب التفاوض مع الحركات المسلحة بنهاية العام الجاري وفرض الحل بالبندقية، ردود أفعال واسعة وسط القوى السياسية المعارضة.

عاد الجنيه السوداني للتدهور أمام الدولار بدرجة أثارت الجدل بشأن الأسباب الحقيقية، في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة مرارا أنها تسعى لمعالجة الأمر عن طريق إجراءات اقتصادية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة