في أقبية الشياطين "مقدمة"

ما كتبته هو معاناة شخصية فظيعة، وذكريات حفرت آثارها في ذرّات كياني، صحيح أنّني واحد من مئات الألوف الذين مروا بتلك التجربة المريرة في ظلّ حكم نظام البعث وآل الأسد، لكنّني اختلف عن أكثرهم بأنّني ملكت الإرادة والعزيمة على أن أكتب ما مرّ معي وما رأيت، وقد حباني الله تعالى قدرة على الكتابة، وإن كنت على الحقيقة أعتبر تجربتي مع مرارتها وقسوتها لا تساوي عُشر ما مرّت به تلك الألوف المؤلفة من السوريين وغيرهم في معتقلات وزنازين نظام عصابة الأسد.
 

بل أنا على يقين أنّ تجربتي هي الأقل معاناة وقهراً وآلاماً لظروف عديدة: 
أولّها: قصر مدّة اعتقالي التي لم تتجاوز 63 يوماً قضيت نصفها في فرع الأمن السياسي، والنصف الثاني في الطريق إلى سجن عدرا المدني، الذي يُعتبر منتجعاً بالنسبة لما يراه المعتقلون في أقبية فروع الأمن والسجون العسكرية.
 

المجرمين لا يملكون قدراً من الإنسانيّة يلزمهم مراعاة ظروف المعتقلين، بل العكس لا يمتلكون أدنى مقومات الانتساب إلى الإنسانية.

ثانيها: من لطف الله بي أن هيئ لي بعض الأشخاص الذين تدخلوا عند الجهات الأمنية بطريقة أو بأخرى، ممّا أبعد عنّي كثيراً من أساليب التعامل الوحشي الذي رأيته بعيني واقعاً مع أغلب المعتقلين وخصوصاً الشباب منهم.

ثالثها: ربّما يكون كبر سنّي فأنا قد تجاوزت الخمسين، كما أنّ مركزي الاجتماعي كوني شخصيّة عامّة، لي حضوري ضمن الحيّ الذي أنتمي إليه والمسجد الذي أخطب فيه، فأنا أعمل بالدعوة والخطابة منذ بداية شبابي، وقد أصبحت معروفاً عند عدد لا بأس به من أهل بلدي "حمص" كلّ هذا بالإضافة إلى وظيفتي فأنا موجه اختصاصي لمادة التربية الإسلامية، ولي دائرة معارف كبيرة بين أوساط المدرسين، وكنت مشرفاً على حوالي خمسمئة منهم، كلّ هذه الأسباب ربّما تكون عاملاً مؤثراً في تخفيف معاناتي عن مئات الألوف من المعتقلين، وعلى كلّ الحالات فإنّ الله تعالى قدّر ولطف.

لا يعني كلامي هذا أنّ هؤلاء المجرمين يملكون قدراً من الإنسانيّة يلزمهم مراعاة ظروف المعتقلين، بل العكس وسيرى القارئ خلال السرد أنّهم فقدوا أدنى مقومات الانتساب إلى الإنسانية.

ما كتبته سرد تسجيلي من الذاكرة ووثيقة وشهادة لله ثمّ للتاريخ عن بعض ما يحصل في فروع أمن النظام الأسدي ومعتقلاته من وحشيّة وإجرام، ولا أعتبر نفسي أديباً، وكذا لا أعتبر ما كتبته داخلاً فيما يسمونه أدب السجون، فأنا أسرد ما مرّ معي وما رأيته من منطلق التسجيل والتوثيق فيما يشبه سيرة شخصية، ولا أسعى إلى كتابة عمل روائي، إنّما أستعيد من ذاكرتي الشخصية ما خبأته من تفاصيل خلال هذه التجربة المريرة، أسمح لنفسي بعض المرات أن تتدخل لتفسير أو تحليل.



حول هذه القصة

“الموت بالرصاص أو القنابل في المعركة أهون ألف مرة منه في المعتقل”، هذا ما تقوله الحاجة السورية حسنة الحريري، وهي تروي للجزيرة نت تفاصيل مريرة لما رأته بتلك السجون.

نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية مقتطفات من تقرير لمحققين تابعين للأمم المتحدة، تناول أوضاع سجون النظام السوري ونماذج لمعتقلين فقدوا أرواحهم نتيجة التعذيب بداخلها.

أطلق نشطاء سوريون على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر حملة إلكترونية عبر وسمي #‏المعتقلون_أولا و#‎Detainees_first للمطالبة بإطلاق جميع معتقلي الرأي في سوريا.

أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن ستين ألف شخص على الأقل توفوا جراء التعذيب وسوء المعاملة بالسجون السورية منذ نشوب الثورة ضد الرئيس بشار الأسد خلال خمسة أعوام.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة