عربية استبيحت

 

تقف بائسا مستميتا كاليتيم الذي يشتهي سماع حديث يشعره بإحساس غريب فقده منذ زمن، تحن لسماع كلمة عربية واحدة من دون أن تتجاوزها لهجة مختلفة أو حتى كلمة استعمرتها الإنجليزية أو تلك الفرنسية.

 

تقف بذهول من دون حراك، لا تملك كلمة واحدة لتقولها خوفا من أن تخرج أيضا بلهجة عربية لا بتلك العربية الفصحى الحزينة.

 

ما بالكم بأمة عربية لا تدري بمواضع الرفع والكسر، ما بالكم بأمة نسيت بعضا من الـ28 رسما وأضاعت جمالا يُكتب

في وقفتك تلك يأتيك ذاك الشعور المقرف الذي يقودك لخوض سلسة أحداث مريبة، لماذا تعلمت حروف العربية؟ ولماذا نعتونا بالعرب؟ ولماذا نقول نعم أتحدث العربية الأم بطلاقة! أي طلاقة تلك؟ وأي عربية هذه التي تجعلك تضحك وتستهزئ من كلمة تسمعها في فيلم كرتوني يتحدث العربية أو من طفل متيم بالرسوم المتحركة ويعشق تقليدهم بقوله: أمي أريد كأسا من الماء كصديقي شادي في التلفاز.

 

نعم تستهجن هذا الموقف وتقول في مخيلتك: هذا ما تعلمته من مشاهدة التلفاز؟ عفوا أقصد وباللهجة الأردنية بالتحديد لأنها اللهجة الأم لدي "هاض الي أخدته من التلفزيون.."، راقب ثم تفكر وتأمل في كلا الجملتين! ما بالك؟ نعم هي عربية استبيحت  وكادت أن تذهب إلى الزوال.

 

والأقسى من ذلك أولئك الذين يفضلون التكلم بلغة أخرى كالإنجليزية مثلا مع عرب أمثالهم يفهمون ويقرأون ويتحدثون العربية بشكل متقن.

 

أعود وأقول اللهجة العربية التي قد تستباح أيضا، و في الآونة الأخيرة تكتب العربية في وسائل التواصل الاجتماعي  بالأحرف الإنجليزية لمن لا يتحدث الإنجليزية بإتقان، لكن وعلى حد قول بعضهم "برستيجي ما بيسمحلي أكتب أحرف عربية"، وكأن ذلك البحر العميق لم يجد فيه حرفا أو كلمة تسد حرجه.

 

ثمانية وعشرون حرفا منعش
كلما مرّ زمان وجيل على هذه الأم أرهقوها أكثر ووضعوا على كاهلها حملاً أثقل، ما بالكم بأمة عربية لا تدري بمواضع الرفع والكسر! ما بالكم بأمة نسيت بعضا من الثمانية والعشرين رسما  وأضاعت جمالا يكتب، ووزنا تائها ينتظر صحوة.. تلك هي الغربة القاسية، واللعنة القائمة في صلب صحراء قاحلة، صحراء باتت تنتظر هفوة بسيطة أو حتى نسمة ربيعية قد تطل أو تمر مرور كرامٍ عليها.

 

شيخوخة مبكرة
تلك التي أحادثها ليلا في نفسي دائما، ويستمر مسلسل أحداث تلك الشيخوخة التي أصابتها، وأمر بين كل تفاصيله لا أريد لمثل هذه الأحداث أن تمر، أريدها أن تتوقف، لا أريد أن أصل إلى الحلقة الأخيرة التي قد تصل بها إلى النهاية، الموت أو الرضا بالفوز المستميت للأقوى، لكن ما بيدي حيلة لأفعلها، أحادثها وكلي خجل من نفسي، كيف لي أن أترك لغة بهذا الجمال والاتزان والذهاب لأي حرف لا ينتمي لها، كيف لي أن أترك أمًا بدأت من دون طفولة ويستحيل أن تنتهي بشيخوخة؟ كيف لي وألا أخجل؟

 

كي تقتل أمة ابدأ بلغتها، وكما يحصل لنا الآن وعلى مرأى ومسمع كل صغير وكبير اليوم، بدؤوا باللغة وها هم فعلوا ما فعلوا

سجن مؤبد
كي تقتل أمة، ابدأ بلغتها، وكما يحصل لنا الآن وعلى مرأى ومسمع كل صغير وكبير اليوم، بدأوا باللغة، وهاهم فعلوا ما فعلوا، وأقرب مثال على ذلك لو نظرنا نظرة قريبة كل القرب على بعض الدول كتونس مثلا أو حتى المغرب لوجدنا ثلاثة أرباع حديثهم فرنسية بنكهة عربية مُرة  تكاد أن تختفي.

 

 نعم هو شعور مؤلم لا يكاد يشعر به إلا من جرب الاستماع لهم  في غضون دقائق، هو مقيد في سجن مؤبد لا يستطيع الخروج من تلك الفرنسية إلى العربية الجميلة، لأنها تعتقت في ذهنه وذهن المحيطين به كي يفهموا ويتبادلوا ذلك الحديث المشترك.

 

صرخة قاسية
إما ممات لا قيامة بعده.. ممات لعمري لم يقس بممات.. نعم صرخت صرخة  قد تكون كافية لتلك الأذنين الصغيرتين، قد تسمعها وتسكت من غير إحساس، وقد تلبي تلك الدعوة الصادقة لإنقاذ تلك المحرومة البائسة.

 

بعد كل ذاك الهجر اللعين، بعد كل ألم تغلغل في جسدها من غير منقذ، أتعجبكم تلك اللهجات المتعثرة والمشتتة؟! أم لا زلتم تكابرون وتكابرون وتزيدون في هجرها وقطعها؟! فاعلموا وأنا أولكم لو عدنا قليلا.. نعم قليلا فقط إلى تلك اللغة وتحدثنا ببسطاتها وقوتها وتفاخرنا بجبروتها الحنون، لتوحدنا ولو بشيء واحد فقط لغتنا، تلك هي أمنا فلا تهجروها.



حول هذه القصة

تنطلق في الـ23 من يوليو/تموز المقبل فعاليات تظاهرة “صفاقس عاصمة الثقافة العربية” تحت شعار “الثقافة توحدنا وصفاقس تجمعنا” بعد أن تسلمت المدينة رسميا مشعل التظاهرة من مدينة قسنطينة الجزائرية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة