حين يُحبس الإنسان ويسافر الحيوان!

بعد عشر سنوات من الحصار، أدركت المؤسسات الدولية بأن مجموعة الحيوانات في الحديقة اليتيمة بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة لم يعد بإمكانها العيش في ظل ظروف الحصار الصعبة، وقال الفريق الذي جاء لنقل الحيوانات إنها تعاني من اضطرابات نفسية وسوء تغذية؛ نتيجة ظروف الخوف التي عاشتها وأثرت على حياتها وأدت لنفوق عدد منها.

وخرجت "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال الصهيوني ببيانٍ حول ذلك قالت فيه: "سمحنا بنقل مجموعة حيوانات من قطاع غزة إلى خارجها عبر معبر إيريز من أجل توفير حياة أفضل لهم".

يقر الاحتلال بهذا التصريح بأن الحياة في غزة مأساوية بفعل حصاره؛ حين يعترف بأن الحيوانات لم يعد بمقدورها العيش هنا.

ثمة الكثير من المصطلحات المستفزة للبشر هنا في كلمات ومضامين البيان؛ فهم يقولون بشكلٍ أو بآخر: "نحن نسمح للحيوانات بحرية السفر ولا نسمح لمليوني إنسان بذلك"!

فهذا الاحتلال الذي يزعم الإنسانية دمر مطار غزة ولا يسمح للبشر الفلسطينيين ببناء مطار جديد أو تشغيل ميناء، ويغلق عليهم المعابر في حصارٍ مستمر منذ عشر سنوات.

يقر الاحتلال بهذا التصريح بأن الحياة في غزة مأساوية بفعل حصاره؛ حين يعترف بأن الحيوانات لم يعد بمقدورها العيش هنا، وبدل أن يرفع الحصار أو يخفف منه لتكون الحياة أفضل، يوصل لنا رسالةً أخرى يشهد عليها العالم كله، فيها الكثير من معاني الازدراء لكرامة الإنسان التي تعبر عن مكنون الوحشية والعنجهية في نفوس الصهاينة.

وحتى أقطع الطريق على أولئك الذين يفهمون الأمور وفق ما يريدون لا وفق ما أقصد، فإن مشكلتي هنا ليست مع الحيوان أو سفره ولكن مشكلتي مع الذين هم أضلُّ سبيلًا من الحيوانات لكن يأتون إلى الحياة على هيئة بشر، الذين أعمتهم أحقادهم وطُُمسَ على قلوبهم فتجردوا من كل معاني الرحمة، فلم يعد فيهم إحساس ولا ضمير، ولا أية مشاعر إنسانية تجعلهم يشعرون بغيرهم من البشر.

نعم يا سادة أنا إنسان أعيش في قطاع غزة في القرن الواحد والعشرين، وأنظر إلى اهتمام العالم بحال الحيوان ونفسية ومعيشة الحيوان، وأراهم يبحثون في أفضل فرص المعيشة له، ويسعون لنقله إلى الخارج ليتمتع بمعيشةٍ أفضل، بينما الآلاف من المرضى هنا يموتون كل دقيقة وهم يراقبون الأمر وينتظرون بفارغ الصبر فتح المعبر والسماح لهم بالسفر، حتى الأصحاء سقموا وزاد من سقم الجميع هذا الخبر: "العالم يتعاطف مع الحيوانات ويتجاهل البشر".

الحكومات التي تتغنى بالديمقراطية وحق الشعب واحترام الإنسان، لم تفعل شيئًا يذكر منذ عشر سنوات تجاه مليوني إنسان في غزة هم أشبه ما يكون في سجن كبير

ربما هو الخبر الأكثر استفزازًا في حياة الغزيين هذه الأيام ومنذ أعوام، وثمة الكثير من عبارات القهر لا يمكن التعبير عنها، ومشاعر صغار يعجزون عن وصفها؛ فحديقة الحيوانات الوحيدة التي كانوا يلاعبون قردتها وينظرون إلى حيواناتها التي لا يسمعون ولا يقرؤون عنها سوى في القصص والصور حُرموا منها أيضًا، هنا حرمان آخر ومنطقة تزداد بالجبر انفصالًا عن العوالم المحيطة بها، ويدخل إلى قاموس الحرمان عناوين جديدة قد تبدو في أماكن أخرى سخيفة أو لا تذكر.

ليست قضية عابرة، وأعظم ما فيها هو أن قيم وقوانين ومؤسسات حقوق الإنسان وشعارات الدول والحكومات التي تتغنى بالديمقراطية وحق الشعب واحترام الإنسان، لم تفعل شيئًا يذكر منذ عشر سنوات تجاه مليوني إنسان في غزة هم أشبه ما يكون في سجن كبير، يموت فيه المئات أو الآلاف سنويًا إما قصفًا أو وجعًا أو قهرًا نتيجة الحصار والعدوان.

وإن كان هذا هو أثمن وأرقى ما توصل إليه المترفون من أدعياء الإنسانية وآخر ما توصل إليه التقدم الحضاري والقيمي، فلا ألوم الناس هنا إن تفلوا على هذا السخف الذي كرم الحيوان على حساب الإنسان، ولا أجد في حوزتي أي تعبيرات ممكنة تناسب فظاعة ما قاموا به من استفزاز، فما أسخفهم بل ما أوقحهم!



حول هذه القصة

فتحت مصر اليوم الثلاثاء معبر رفح لثلاثة أيام للسماح بسفر حجاج قطاع غزة إلى السعودية، ومن المتوقع أن يغادر القطاع أكثر من ألفي حاج.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة