حديث عن التدوين والمدونين

blogs - asfad
التدوين بالنسبة لي، وسيط يساهم في تفتيت المركزيات القمعية، وكل الأنماط السلطوية الهادفة لتدجين الشعوب، وقولبة العقول، وفرض نسق أحادي من التفكير، التدوين حالة تحرر ترنو للفكر الحر، ورفض ثوري لفرض أي مسلمات وتعميمات معلبة، قررتها عقول سلطوية بروباغاندية متجبرة.
هو فرصة للمواطن ليصبح جزءاً من ملحمة المساءلة المجتمعية، وفضح السلطة ومراقبتها، هو تمثل لرغبة لا سلطوية تجتاح الأصوات المارقة والثائرة على ثقافة القطيع وأحادية الصوت، الرافضة لمقص الرقيب البغيض و"مواثيق الشرف "البالية، المقيدة والمخادعة، والقوانين المجحفة.

كانت بدايتي معه قبل عشرة سنوات؛ كرغبة مني في تغيير الواقع في بلدي، عبر إسماع صوتي الغاضب من حالتنا البائسة، أو نقل ما يصادفني من هموم شعبي، أثرت في بالطبع عدة تجارب تدوينية ودفعتني لولوج هذا الفضاء الذي أخذني بشغف، منها التجربة التدوينية المصرية والأصوات المنشقة التي أفرزت.

قارع علاء عبد الفتاح بالتدوين ظلم المخلوع بغير أسف، حسني مبارك، وكان ميدانيا أيضا، نادى بالحرية والانعتاق، وجرب السجن في تلك الفترة

لست هنا في صدد الحديث عن" تجربتي" المجهرية المتواضعة، ولا عن واقع التدوين اليوم، لكن هذا مدخل للحديث عن آخرين، ذكرني بهم مشروع مدونات الجزيرة، ثلاثة من المدونين، كنت أتمنى أن يضمهم هذا المشروع، فأي ذكر للتدوين يفرض حضورهم؛ يقفزون للذاكرة بدون استئذان، لكن ظلم الحياة لا يسمح بذلك، فمنهم الراحل والسجين وهم: باسم صبري، البراء أشرف وعلاء عبد الفتاح.

علاء
يقبع الآن في سجون الطغيان بمصر،" التنين البمبي"، ابن المناضل وأخ المناضلة وزوجها وابنها، علاء عبد الفتاح، سجن علاء بعد مشاركته في وقفة ضد قانون التظاهر المقيد للحريات في مصر، وهو أحد أنتن القوانين التي تقيئت القريحة العسكرية المرضية المتحكمة في مصر اليوم.

علاء مبرمج مصري ثلاثيني، ويعتبر أحد أبرز الوجوه التي شكلت ملامح التجربة التدوينية المصرية المقاومة لنظام مبارك، والمساهمة في سقوط حكمه بعد ثورة الشعب المغدورة، وذلك، عبر مدونته المشتركة مع زوجته منال؛ المدونة التي حملت اسم "منال وعلاء".

قارع علاء بالتدوين ظلم المخلوع بغير أسف، حسني مبارك، وكان ميدانيا أيضا، نادى بالحرية والانعتاق، وجرب السجن في تلك الفترة، وهي تجربة تكررت في حياته بعد ذلك أكثر مرة، حتى بعد الثورة، فكلما تصاعد الغضب والاحتجاج في مصر؛ يكون مصير علاء هو التغييب وراء قضبان سجون الظلم.

واقع علاء عبر عنه والده المناضل والمحامي الراحل أحمد سيف الاسلام، أبلغ تعبير، حين قال: "عذرا يا ابني وعذرا لهذا الجيل، كنا نحلم ونطمح أن نورثكم مجتمعا ديمقراطيا يحافظ على كرامة الإنسان، للأسف ورثتك الزنازين التي دخلت"، لكن علاء لا يبالي ولايزال يناصر ما يراه حقا ويؤكد استعداده لدفع الأثمان، ولحد الآن يصر على التعبير بصدق عن قناعاته وحتى أنه كتب من سجنه رغم أنه في وضعية صعبة، محروم من الكثير من حقوقه كسجين رأي. ولا يزال من الرافضين للانضمام للقطيع ويفضل التفكير من خارج الصندوق، هو مناضل لا سلطوي عشق التدوين والثورة، علاء وزميله وائل عباس، اطلعت على تجربتهما التدوينية مبكرا وكانت ملهمة لي.

باسم
اكتشفت باسم صبرى المحلل العتيد والمدون الهادئ، في وقت متأخر نسبيا، مع بداية الربيع العربي، حيث شدتني مدونته "مواطن عربي"، التي كانت تحوى تحليلات رصينة للمشهد المصري، بالإضافة لإسهاماته في بعض المنصات الأخرى، كتابات باسم تظهر شخصا مسكون بالتطلع للتحرر والانتصار لحقوق الانسان، كنت أيضا من المتابعين له على تويتر، وقصتي مع باسم تختلف عن حكايتي مع علاء.

فكنت على اتصال مع باسم عكس علاء، نتحدث أحيانا في الرسائل الخاصة ويتفاعل أحيانا أخرى مع المشهد الموريتاني كغيره من مظاهر الواقع العربي، ناقشته في الكثير من القضايا، حتى أني كنت سألتقى معه في مصر، فحين زرتها في 2014، اتفقت معه على اللقاء لكن الحياة كانت قاسية فقد توفي وأنا هناك وقبل أن نلتقي، شاهدت الخبر المحزن والصادم على حساب صديق لي على تويتر.

وفاة باسم المفاجئة والمفجعة، صدمتني كغيري من متابعيه ومحبيه وحتى مخالفيه، قضى باسم نحبه وهو في مقتبل العمر، لم يتعدى الثانية والثلاثين، ترك وطنه وهو يداس من طرف العسكر وحكمهم الفاشي، وأظنه مات كمدا بسبب الأسى على حال مصر المنكوبة.

كان باسم يفضل الإنجاز على الحديث والظهور في وسائل الاعلام، وفاة باسم جعلتني أكرر مع بعض المصريين سؤالهم الوجودي،" لماذا لا يموت ولاد الوسخة؟".-طبعا أتحفظ بعض الشيء على عبارة ولاد الوسخة- مات باسم وبقي مبارك يضحك وينتشى بانتصار الثورة المضادة.

البراء
لم أقابل البراء أشرف على أرض الواقع ولم أتحدث معه، وكان اكتشافي له، عبر إحدى القنوات المصرية وهو يحاول تقديم تحليل مختلف للصراع الذي حدث بين القوى السياسية في مصر بعد الثورة، أعجبتني نظرته بعض الشيء؛ فقررت البحث عنه وعن تصوراته.

لاكتشفت مدونا غزير العطاء مختلف الأسلوب، يكتب بأرحية، يبتعد عن المغالاة والفذلكة والتكلف، ينتبه للتفاصيل بنباهة ملفتة، يسخر بهدوء وبدون استظراف، براء بالإضافة لكونه كاتب له جمهور ولمسة خاصة، هو صانع أفلام حاول تقديم بصمة مختلفة.

نحتاج أصوات، تعبر عن واقع القاعدة، وتكشف جرم "القمة" وتقدس الحرية كقيمة، أتمنى يظل المدونين هم الصوت في زمن السكوت.

غادر البراء عالمنا الوسخ في عمر الثلاثين تاركا أرشيفا ثريا؛ لازلت أرجع له لأستمتع به، مثل براء أحلام جيله وتصوراته، كتب عن شغفه بالحرية وعن احباطاته. البراء كباسم ترك عالمنا من دون أن يرى طموحاته لوطنه تتحقق، البراء المخذول المغادر في مقتبل العمر سبق وكتب على مدونته " وأنا مالي"، عن الموت، كأنه كان يتوقع مصيره؛ وأقتبس من ما كتب:

"تبدو قضية موتي غير مهمة بالنسبة لي على الإطلاق، في الحقيقة، تكمن أهميتها الوحيدة في كونها توحي لي دائماً بأفكار جميلة لقصص قصيرة، وتدفعني لكتابتها بسرعة، حتى لا أموت تاركاً تلك الأفكار دون أن يعلمها الناس".

غادرنا البراء في عجالة وترك لنا حسرة وغصة والكثيرة من الأسئلة، وبعض الحقد على لا عدالة الموت، تركنا نقول، مات البراء ولا يزال الطغاة يمرحون ويقتلون باستمتاع، صحيح "إن الكلاب طويلة الأعمار".

بالعودة للحديث عن المشروع الجديد، أتساءل، هل سيكمل المدونين المساهمين فيه، ما بدأه الثلاثة؟، وهل سيكون المشروع إسهاما مختلفا ومؤثرا يبث أصوات جديدة رافضة ومتحررة، تنتج محتوا يفضح الطغيان ويهدف لخلق جو مناسب للفكر الحر؟، أتمنى ذلك، فنحن بحاجة لمن يحاربون من أجل تحقيق واقع يسمح بإشاعة الفكر الحر، الذي يتطلب حسب الفيلسوف برتراند راسل:" غياب العقوبات القانونية المتعلقة بالتعبير عن الرأي"، وحسبه:" نستطيع القول أن التفكير حر عندما تتنافس الآراء المختلفة بحرية".

نحتاج أصوات، تعبر عن واقع القاعدة، وتكشف جرم "القمة" وتقدس الحرية كقيمة، أتمنى يظل المدونين هم الصوت في زمن السكوت.



حول هذه القصة

وزارة الأوقاف تتولى إدارة الوقف الخيري داخل مصر وخارجها. تصوير زميل مصور صحفي. مسموح باستخدامها

قبل نحو مائتي عام، قُنن وضع الأوقاف الخيرية في مصر وتطورت القوانين المحددة لها والهيئات المشرفة عليها بمرور السنين، إلا أن الإعلان عن حجم ثرواتها وعوائدها ظل أمرا مسكوتا عنه.

Published On 1/9/2016
Egypt's Planning Minister Ashraf al-Arabi talks during an interview with Reuters at his office in Cairo October 18, 2014. Egypt needs an "economic revolution" to recover from damage caused by political instability as it seeks to attract billions of dollars in foreign investment and repair its state finances al-Arabi said. Picture taken October 18, 2014. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: BUSINESS POLITICS)

لمح وزير التخطيط المصري أشرف العربي لسعر الصرف الذي تستهدفه الحكومة في الفترة المقبلة في إطار اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، وهو 11.50 جنيها مصريا للدولار، كما قالت صحيفة المال.

Published On 1/9/2016
احتجاجات شعبية في القاهرة بسبب أزمة حليب الأطفال

شهدت مدينة القاهرة احتجاجات شعبية مفاجئة ضد أزمة لم يسبق لها مثيل منذ عقود، في المعروض من حليب الأطفال. وتعزى الأزمة إلى عوامل، في مقدمتها أزمة السيولة في الدولار.

Published On 2/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة