الحرية والذاتية.. البُعد الغيبي في الإنسان

يَعتبِر "على عزت ببيجوفيتش" أن حرية الإنسان هي الوجه الآخر من قضية وجود الله. فالإنسان يُمكن أن يكون حراً فقط إذا كان الله هو من خلق الإنسان، لأنه هو الوحيد القادر على خلق إنسان حُر. فإذا لم يكُن الإنسان مخلوقاً بالتدَخُل الإلهي، فلا يُمكن أن يكون حُراً، لأنه حينها سيكون خاضعاً للقوانين الطبيعية. بعبارة أُخرى يجب أن تكون هُناك نفخة من روح إلهية في الإنسان ليكون حُراً.

الحُرية هنا تُطرح كقضية إيمانية، فهي لا تنفصل عن الإيمان بالله، و هي هُنا ليست قضية بُرهانية، و ليست قضية متعلقة بالواقع التجرُبي ، بل هي قضية تنتمي إلى الأُفق الغيبي الذي يمتد فيما وراء العالم الموضوعي ، و لكن ليس في الخارج و إنما إلى داخل الذات الإنسانية ، فالإنسان يختبِر الإيمان و الحرية ليس من خلال العالم الواقعي، و إنما من خلال الحساسية الداخلية للذات الإنسانية. فالحُرية و الإيمان في هذه الرؤية هُما وجهان لنفس القضية. وهي ليست قضية موضوعية، و إنما ذاتية، فالحُرية بالمعنى الأنطولوجي للكلمة هي مُعطى ذاتي، تماماً مثل الإيمان.

الإيمان هو فعلٌ إنسانيٌ يجسِّدُ بحد ذاته نوعاً من الحُرية الواعية، و الوعي بالطابع الإنساني لهذا الإيمان، هو وعيٌ بهذه الحُرية

و بالطبع هُناك دائماً أكثر من إيمان ممكن، هُناك إيمان بآلهة عديدة، و هُناك تصورات عديدة عن الإله الواحد، و هذه التصوّرات يُمكن أن تتناقض مع فكرة الحُرية نفسها، مثل التصوُّر بأن الإرادة الإلهية مُهيمنة على قدر الإنسان و مصيره، و تصورات أُخرى عديدة مُمكنة. و لكن عندما نتعمّق في فكرة "علي عزت" عن الإيمان و الحُرية، سنجد أنها ترتكز على الإنسان و ليس على الله.

فالإيمان هو فعلٌ إنسانيٌ يجسِّدُ بحد ذاته نوعاً من الحُرية الواعية، والوعي بالطابع الإنساني لهذا الإيمان، هو وعيٌ بهذه الحُرية. وكذلك الوعي بالحرية على -الأقل كما يشعر بها الإنسان- يعزِّز الوعي بفاعلية الذات الإنسانية في صناعة الإيمان.

أما الإيمان في غياب الوعي بالحُرية سيضعنا مباشرة أمام "الله" ، لأن هذا الإيمان بدلاً من أن يكون اختياراً حُراً سيكون قدراً إلهياً، و سيكون الإنسان المؤمن تجسيداً للإرادة الإلهية في الزمان و التاريخ، و في ظل غياب الوعي بالحُرية و الوعي بالإنسان ، فإن المسافة بين الله كإيمان و "المؤمن" ستتلاشى و بهذه الطريقة ستكتسب أفكار و أفعال هذا الإنسان صبغةً إلهية، و نكون أمام كارثة تماماً كما نعيشها الآن، مع الكثير من الأفكار و العقائد الدينية.

من ناحية أُخرى، ارتبطت الحرية بالذاتية عند "سارتر" -الفيلسوف الوُجودي المُلحد- أيضاً و لكن على نحو متناقض مع الإيمان، فعلى العكس تماماً من فكرة علي عزت، اعتبر "جان بول سارتر" أن "وجود الله" يتناقض جذرياً مع حرية الإنسان. سارتر كما لخَصه" آر سي سبرول" يرى أن ،السمة الأساسية التي تميّز الإنسان هي الذاتية ،و صفة الفرد الذاتي الأساسية هي الإرادة الحُرة، وبدون هذه الإرادة الحُرة فهو ليس بإنسان.

ويرى أن كل ما يهدد ذاتية الوُجود الإنساني، بمعنى أن يكون الإنسان ذاتاً وليس موضوعاً (أو شيئاً) يجب التخلُّص منه، ولقد اعتبر أن أكبر مُهدد للذاتية الإنسانية هو الإيمان الديني بشكل عام، و بشكل خاص الإيمان المسحي و اليهودي لأن السيادة الإلهية وفقاً لهذا الإيمان لا تسمح بوجود الحرية الإنسانية. وبالتالي فإذا كان الإنسان حراً فإن الله لا يُمكن أن يكون موجوداً.

وبالنسبة لسارتر وجود الله لا يتناقض مع الحرية و حسب و إنما أيضاً مع الذاتية (أي انسانية الانسان)، فإذا كان الإله اليهودي-المسحي موجوداً و هو كليُّ القدرة و كلِّي المعرفة، فإن مراقبة الإله المستمرة للإنسان تعرِّي الإنسان من أخصّ خصائصه و تجرده من ذاتيته ليتحول إلى موضوع، أي أن الإنسان سيتحول من ذات إلى "شي" لأن هُناك ذاتاً أُخرى تضعه تحت المراقبة، تعرف أفكاره قبل أن يفكِّرها وتحيط بكل وجوده وبهذا تتحطَّم ذاتيته الإنسان و التي يعتبرها سارتر السمة الأكثر أصالة في الإنسان ويصبح موضوعاً متجرداً من طبيعته الإنسانية.

و لكن في عصر يهيمن فيه العلم، لم يعُد الإيمان الديني هو الذي يهدد ذاتية و إنسانية الإنسان كما اعتقد سارتر، وإنما العلم التجريبي الذي يحاول الوصول الى معرفة "موضوعية" عن الإنسان، والإجابة بشكل "علمي" على أسئلة الإرادة و الحرية والوعي.

فهُناك نقاشات علميّة حول الوعي و حول "الوعي الذاتي" حول الذات نفسها، هل هي فكرة أم هي و هم أم لها وُجود حقيقي ؟ وإذا تم الإمساك بالذات في التجارب المختبرية المتعلقة بالأعصاب و المُخ يوماً ما ، فهذه هي اللحظة العلمية لإعلان موت الإنسان بشكلٍ فعلي. فالعلم و ليس الإيمان بالله هو الذي يجب أن يثير المخاوف "السارترية" (نسبة الي سارتر)، أما الايمان الديني فيمكن أن يحافظ على الذاتية الانسانية بأكثر من طريقة كما سيأتي بعد قليل. ولكن أليست الوجودية نفسها نوعاً من الإيمان الديني؟

المنطلق للإيمان الديني يقول : الذات الإنسانية ليست موضوعاً أو شيئاً بالنسبة إلى الله، بل هي نفخة من "روح إلهية".

وعلى الرغم من التضاد الجذري بين الرؤيتين، رؤية "علي عزت" : الإيمان كأساس للُحرية، "و سارتر" : الإيمان كمُهدد للحرية، إلا أن الرؤيتين تلتقيان في التأكيد على ذاتية الحُرية و حُرية الذات، أو تؤكدان على أن " الحرية هي عين وُجود الذات " حسب تعبير "هربرت ماركيوز" في تقديم فلسفة "هيجل".

إذاً، الإيمان ليس من الضروري أن يؤدي إلى فقدان الحُرية (أو بكلمة أدق الشعور بالحُرية)، ولا الإلحاد كذلك. و لكن هُناك نقطة مثيرة في رؤية "سارتر" أن الذاتية الإنسانية مُهددة بوجود الله، بمعنى أن الذات الإنسانية ستكون عبارة "موضوع" أو "شيء" بالنسبة إلى الله ! وهُنا أيضاً قد نجد الإيمان الديني يقول : كلّا، فالذات الإنسانية ليست موضوعاً أو شيئاً بالنسبة إلى الله، بل هي نفخة من "روح إلهية".

وهُناك رؤى دينية بطبيعتها متجاوزة لهذا التناقض بين الله و الذاتية الانسانية ، مثل وحدة الوُجود. فالإنسان هُنا لا يفقد ذاتيته و لا يصبح موضوعاً بالنسبة لله بل هو غير مستقل بوجوده عنه. كما يُمكن تجاوز هذا التناقُض أيضاً حتى في إطار التصور التوحيدي للمُطلق المفارق بالنظر إلى الروح بوصفها أساس الذاتية الإنسانية ، فهي تنتمي إلى المُطلق و لكنها تُوجد في الإنسان، و بها يكون الإنسانُ ذاتاً حُرة.

وعلى العموم ، فإن العلاقة الإيمانية مع المُطلق ليست بالضرورة كما يُصورها الاعتقاد اليهودي أو المسيحي ولا الاعتقاد الإسلامي وإنما يُمكن أن تكون علاقة ذات طابع ذاتي وفردي خاص ، علاقة يعيشها كواقع الإنسان المؤمن الحُر، ولا تخضع بالتالي للأحكام والمعايير الخاصة بالتصورات الدينية أو الفلسفية الأُخرى التي يحملها الناس فلاسفة ومفكرين ورجال دين حول المُطلق، ولا للصُّور التاريخية للإيمان.



حول هذه القصة

شهدت مدينة القاهرة احتجاجات شعبية مفاجئة ضد أزمة لم يسبق لها مثيل منذ عقود، في المعروض من حليب الأطفال. وتعزى الأزمة إلى عوامل، في مقدمتها أزمة السيولة في الدولار.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة