التغييب في حالتنا

لا يفوق رهبة التغييب قتلًا في حالتنا إلّا رهبة التغييب اعتقالًا. يقول السوريّ عادةً حال اتخاذه لموقف سياسيّ أو أخلاقيّ ضدّ نظام الأسد، صريح أو عشر صريح، معلن أو سريّ، قبل الثورة وبعدها: لا أخاف أنْ أقتل، أخاف أنْ اعتقل.

لست أزعمُ هنا أنّ ما يحدث لأيّ مغيَّب سوريّ في مؤسسّة زنازين الأسد الممتازة لم يحدث لأحدٍ من قبل أو في مكانٍ آخر؛ فروايات الناجين من الغياب القسريّ (كما في أدب السجون) تزخر بمشاهد الرعب والذهول من سجون الاحتلال والاستبداد والعصابات.

لكنّي أريد الإشارة هنا إلى حقائق صار متفقًا عليها؛ الحالة السوريّة مع الزنزانة الأسديّة هي من الحالات الاكثر تميّزًا وتقدّمًا في هذا القطاع البشريّ (نقيض الحيوانيّ) الحيويّ، وهي من الحالات الأكثر غزارة واستدامة ومثابرة وبدائيّة، وهي الحالة الوحيدة الباقية على هذا النحو حتى اليوم متصاعدة في منحاها العدديّ وفي مستوها الوحشيّ بما لا يقارن مع أيّ حالة أخرى.

الاختيار صعبٌ بين الموت وزنزانة الموت، لكنّ الراجح عندي الموت لا زنزانته. التغييب، الزنزانة وحجرة التعذيب والقتل بالتعذيب؛ عندنا هو حالةُ استثناءٍ معياريّ مسرف في شدّته وكثرته وسفوره.

منذ اندلاع الانتفاضة الشعبيّة ربيع 2011 للمطالبة بحقوق إنسانيّة وسياسيّة ومعيشيّة عاديّة؛ كشفت "دولة" الأسد بفخرٍ عن طبيعتها العصاباتيّة الطائفيّة الإجراميّة

ومن دلائل ذلك الكثيرة أرقامٌ إحصائيّة قياسيّة وألقابٌ عالميّة ذائعة مثل سجن تدمر أو صيدنايا، أو حالة أطفال درعا وحمزة الخطيب، وجثمان غياث مطر والجسد 2935/215، وقصص الاغتصاب والاعتداء الجنسيّ على الرجال والنساء، وعشرات آلاف الحالات كشفت جانبًا منها تسريبات صور "القيصر" – التي فاقت أهميّة وثائق محاكمات نورمبرغ – ووصف ما تتضمّنه على سبيل الإجمال بـ (جثث عارية لنساء سوريات، متن من الجوع والتعذيب، جثث لصِبية ماتوا بنفس الطريقة، جثث لكبار سن وشبان أيضاً قضوا جوعاً وألماً في سجونٍ مظلمة موحشة، ثم "غلفوا" بأكفان "نايلون"، وكدسوا كما في علب "السردين" وأرسلوا إلى مصيرٍ مجهول، ربما مقابر جماعية أو حتى محارق بشر)، وروايات غامقة وموجعة ومرهقة قادمة من الماضي القريب، والشبْح والدولاب والكرسيّ الألمانيّ.

قبل الثورة بزمن بعيد، وبعدها على نحو مفرط، لا يستهدف التغييب بالسجن (وغيره لكن السياق عن هذا الصنف) المتخذ موقفًا أو عشر موقف، حتى لو صدّقنا أنّ لأجهزة الأسد معايير معيّنة، بل يتعدّاه في حالات غزيرة ليطال كلّ من تواصل معه أو اقترب منه كالمسعف أو المضيف، أو كان قريبًا منه بحكم النسب أو الدم أو المهنة. ولقد صار التغييب وبائيًّا وجماعيًّا بعد الثورة، ثمّة التغييب الوقائيّ والتغييب الاحتياطيّ والتغييب الواسع والتغييب الانتقاميّ. ولا يتعلق مصير المغيَّب الأسود في السجن بصنفه بعد أنْ يغيّب.

***
ولعلّه من الترف بعد كلّ الذي جرى علينا تمييز الاصطلاحات القانونيّة الموصّفة لأنواع الحجز على الحريّة، بين التغييب القسريّ والاعتقال التعسفيّ والاعتقال السياسيّ والاعتقال، وغير ذلك. وأجد هنا أنّ إطلاق مفردات عامّة مستخدمة شعبيًّا مثل "غوّلوه" و"أخذوه" لائق أكثر بمكانة جرائم "دولة" الأسد وأجهزتها. وإنْ كان لا بدّ، فإنّ التغييب القسريّ هو التوصيف القانونيّ الأكثر ملائمة.

والحقيقة، إنّ هذه التمييزات مطلوبة في حالة دولة تشهد تجاوزات كثيرة أو قليلة، وفيها ملامح القانون بادية أو يمكن تحريّها، ما يقتضي فرز القانونيّ عن غير القانونيّ. وأمّا في حالتنا فإنّ "دولة" الأسد بحدّ ذاتها ومنذ البداية تجاوز سافر للطبيعة لا يمكن قبوله لا سياسيًا ولا قانونيّا، ولا ذوقًا.

وإنّما هذه "الدولة" مجرّدُ حالةِ تغييب قسريّ أخذ واختطف وغوّل سوريا وشعبها وحضارتها على مدى عقود، وما يجري اليوم هو إتمام الجريمة بطمس معالم مسرحها؛ فمنذ اندلاع الانتفاضة الشعبيّة ربيع 2011 للمطالبة بحقوق إنسانيّة وسياسيّة ومعيشيّة عاديّة؛ كشفت "دولة" الأسد _لمن لا يعرفها_ بفخرٍ عن طبيعتها العصاباتيّة الطائفيّة الإجراميّة، حيث أمست كلمة الدولة على نحو أوضح تعريفًا لمجموعة متغايرة من الملشيات الطائفيّة المحليّة والمستوردة، من مليشيات "الجيش العربيّ السوريّ"، وأجهزة المخابرات الأربعة وفروعها، والمليشيات "الوطنيّة" و"البعثيّة" و"القوميّة العربيّة"، وملشيات شيعيّة لبنانيّة وعراقيّة وأفغانيّة، وإيرانيّة.

وكلّ هؤلاء يمارسون "حقّهم الغريزيّ" باختطاف السوريّين ورميهم في الزنازين وإذلالهم وتعذيبهم، كما يمارسون "واجبهم المقدّس" في تخريب سوريا عبر تحويل مدن وأحياء ومناطق إلى غيتوات (أقليّة ضدّ الأكثريّة في حالتنا) ومعسكرات اعتقال معدّة للجوع والبؤس والقصف والفناء.

وهكذا، يظهر تميّز التغييب في حالتنا أيضًا في وفرة صنوفه وصفاته وثباتهما، نعرف منه الجماعيّ والفراديّ، القديم والمستجد الجاري، المعنويّ والماديّ، العشوائيّ المرصوف أو الممنهج، والمثابر وغير الهاجع. وكذا من تعدد الجهات الخاطفة والمغيِّبة، وعدم إمكانيّة الوصول على نحوٍ شائع إلى مكان و/أو مصير المغيَّب، المأخوذ أو المُغوّل.

وهذا الأمر سابق للثورة بعقود، فممّا يعرفه كثيرٌ من الناس عندنا كحقيقة عاديّة مصدّقة أنّ أوّل مهمّة صعبة ومهينة كانت تواجه ذوي المغيَّب (خاصةً المتهّم السياسيّ أو متّهم الرأي) هي معرفة من غيّبه (وأين) من أجهزة حافظ الأسد.

وعلى هامش هذا "النشاط البشريّ" الذي أتاحته "عملية تحديث سوريا الأسديّة" _ كشف معلومات بالقطارة عن مكان المغيَّب عبر روابط ما يعرف بالقفل والمفتاح_ ازدهرت تجارة رابحة ورائجة للضباط، ونسوانهم، وأبنائهم، ومعارفهم. وبعد ربيع 2011 ازدهرت أكثر هذه الحالة لتمثل أحد روافد "القطع الأجنبيّ" الرئيسة ل"دولة" الأسد. كان ولا زال يحيّر ويمرمر ذوي المغيَّبين سؤال المأتم أو الانتظار. هذا معروفٌ جدّا، ليس سوريًّا من لا يعرفه.

***

مات تحت التعذيب، أو قتل تحت التعذيب، إحدى رموز "زنزانة الأسد الطائفيّة"، وهي كرم الموت ومزيّته ينالها المغيَّب المعذّب فيحسدّه عليها المغيَّبون المعذبوّن المنتظرون.

وفي مصائر جمع غفير من أبناء شعبي إلى هذا الجحيم الموصوف في مذئبة الأسد الطائفيّة معنى السجن كصيرورة لإرادة الحريّة في حالتنا. وفيها، وفي المجزرة، فحوى استراتيجيّة سلطة الأسد المختصرة في: أن تبقى سلطتنا على قيد الحياة، أنْ نمارس التغييب فنقتل ونهجّر ونعتقل ونعذّب، بهمجيّة وعشوائيّة، بلا شفقة ولا تردد ولا رادع.

وفيها، "حوارٌ مع الروحِ ماءُ"، ولا أعرف كيفَ اهتدى أوّلُ آدمي لحبس أخيه، لكنْ ومنذ ولادته "أصبح السجنُ سؤالَ الحريةِ الأول"، ولا كيف سولَّتْ أولُ نفسٍ لصاحبها تعذيبَ الآدمي، غير أنّ ذلك ومنذ تولّي كِبرِه أصبحَ سؤال الإنسان الدامي، كما أنّ الموت صار سؤال الحياة الأبرز منذ قتل قابيلُ هابيل. إنّه العطبُ الذي يصيب الروح، وانسداد الأفق، ومرضُ الخيال، فلا يكون بقاؤك إلا بفناء غيرك ولا حضورك إلا بغيابه.

إنّه الفشل الذريع الذي يصيب نظامَ الكون. وترى إلى نفسك تشهدُ هذه الجهنم، ويُغشى عليك من البُرحَاء، وتشتّمُ رائحةَ العرق والبول في كثافة العتمة، وتسمع أنين الموتى الأحياء والأحياء الموتى، وترثي كلَّ معنىً للإنسانية، وتنعى إلى الله كلَّ قيمة، وتزّف رفاقكَ إلى مثاوييهم الأخيرة، وترقب البرزخ، برزخَ العبورِ إلى الأبيض، فالدّارُ الآخرةُ تقعُ خلف هذا الجدار، وتنام واقفاً لتنسى قدميك وتحلم بيومٍ جديد، يومٍ مشمسٍ، و"بساعة الشمس في السجن".
 

وفيها، يا "صاحبيّ السجن"، رطوبة العتمة تخنقُ الخيال وتمسكُ اليوم القادم مِن حلقه. تكاد ليالي الصراخ والبكاء الثقيلة، وأنين الأرواح المنهكة والأعصاب التالفة؛ تَخطَفُ أعمارنا، كلُّ دقيقة عُمْرٌ، وكلُّ عمرٍ دقيقةُ موت، يخرج الواحد من عُلبته المتعفنةِ بشرًاً سويًاً ليعودَ ناقصًاً.

إنّها لعبتهم، لعبةُ من يظنّ أنّه "يُحي ويُميت"، لكنّه لا يأتي بالشمس من المغرب ولا من المشرق، هذه ساعة الشمس، الولادة من الظلام، الانبعاث السماويّ الغريق، حياةٌ منتزعةٌ من مخلبِ الموت، وخُمسُ حريةٍ مسلوبةٍ من قفصِ الاحتضار، ترى السماء الواطئة عبر الشبك الحديديّ تشوهها فوهات بنادق السجّانين، و يخطرُ لك أن تمدُدْ بسببٍ إلى السماء وترقى، لترى الفرق بين الجهنمين، والعزاء في الجنتين. الحَمامُ المُخاتلُ المتمرس على نصبِ أعشاشه على الجانب الحي من الجدران يقطَعُ المشهد السماويّ في حركة فوضوية استفزازيّة ويغريك بالتحليق بعيدًا عن هذا الكوكب. تأخذُ نفساً عميقاً و تتذكر أمّي والأنهار وأول عشق.

نعم، منذ مدّة ليست بالقصيرة ولا بالطويلة لم أعدْ أطيق قراءة أو استماع شهادات المغيَّبين الخارجين من أقبية الأسد، ليس فقط لما تثيره في النفس من خوف وحزن وتعب لما لحق بالضحية، بل لما تستثيره قبل ذلك من إحساس بالقرف والنفور من عقليّة الجلاد وأدواته. وصرت لا أنصح بالاضطلاع عليها، ولا بمشاهدة صور القيصر مثلًا، ولا أنقلها؛ لأنّ الآدميّ السويّ يشعر بإهانة لآدميّته حين يتخيّل مع الشاهد ما يجري وكان يجري ساعيًّا منذ عقود في تلك الأقبية اللعينة، وذلك ربّما أكثر مما يتذكر الضحيّة ويتعاطف معها وهي تتلقّى هذه الأطنان من الوحشيّة والساديّة والعذاب، أو يفرح بنجاتها من قبضة التعذيب.

مات تحت التعذيب، أو قتل تحت التعذيب، إحدى رموز "زنزانة الأسد الطائفيّة"، وهي كرم الموت ومزيّته ينالها المغيَّب المعذّب فيحسدّه عليها المغيَّبون المعذبوّن المنتظرون.

***

السجن عندنا ليس وسيلة تهدف سلطة الأسد منها لقمع أو ضبط أو تطويع المغيّب فحسب، بل كجريمة انتقام حاقد.

وليس التغييب في حالتنا مصيبة نخشاها أو نتوقعها، إنّها مصيبة واقعة، فهو حالة أسر تغتالنا منذ ولادتنا لفرط ما هي متحققة في ما ومن حولنا ومتربصّة بأنفاسنا وكلماتنا وأفكارنا، وهذا ما أرادته طريقة الأسد، وتمثلّ بالصمت المقابريّ الطويل الذي غيّب أهل سوريا، وذلك ما تمّ الخروج منه وعليه 18 مارس 2011.

وفي اقتران التعذيب بزنزانة الأسد التجلي السافر لتعريف سيبون ويل للسلطة كما نُقل في الخوف من الحريّة لأيريك فروم "السلطة هي القدرة على تحويل الكائن الحي إلى جثّة ومن ثم إلى شيء".

هكذا من الأفضل أنْ نفهم التغييب القسريّ والسجن عندنا لا كوسيلة تهدف سلطة الأسد منها لقمع أو ضبط أو تطويع المغيّب فحسب، بل كجريمة انتقام حاقد منه كذلك، سببها مزمن ومنفصل عن سبب التغييب المباشر، وجريمة انتقام به من مجتمعه لإخراسه وإذلاله وحجبه، عبر نشر كلّ هذا القدر من الخوف والذعر والبشاعة والهوان في الفضاء العام والخاصّ.

إنّه وسيلة تغييب سوريا وشعبها قسرًا وإحالتهما إلى جثّة، كما سنفهم ذلك متأخريّن جدًّا؛ فما يحدث اليوم في سوريا هو قصور السجن وفشل التغييب به؛ فظهور التغييب بالمجزرة والتدمير والحصار والتهجير. في حالتنا، ليس التغييب بالسجن استثناء يقطع حالة "الحريّة" العامّة أو الشخصيّة، وإنّما هو استثناء يقوّي حالة الحجر المستمر على الحريّات الشخصيّة والعامّة، لصيانة حالة التغييب الاجتماعيّ السياسيّ المزمنة.



حول هذه القصة

سجن عسكري سوري يعد من أكبر سجون البلاد وأسوئها سمعة. عرف منذ تشييده عام 1987 بأنه “سجن عسكري”، لكنه ظل معتقلا لمئات من السياسيين السوريين والعرب أغلبيتهم الساحقة من الإسلاميين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة