شعار قسم مدونات

كيف بدأ العصر الذهبي للإسلام؟

blogs - islamic art
الفترة ما بين القرنين الثامن والثالث عشر للميلاد -والتي أصبحت تعرف باسم "العصر الذهبي للإسلام" بداية من القرن التاسع عشر- هي حتمًا فترة جديرة بالاهتمام.
 

في تلك الفترة وصل الإنتاج الحضاري للإمبراطورية الإسلامية أقصاه، ثم مع اجتياح المغول وتوتر الأوضاع السياسية والاقتصادية حدث الانهيار.
 

يُجادل عدد كبير من المؤرخين المعاصرين بأن العصر الذهبي للإسلام يمتد حتى القرن السادس عشر، وذلك لأن الإنتاج العلمي باللغة العربية لم يتوقف حتى تلك الفترة.
 

بعيدًا عن الجدل القائم حول أسباب الانهيار وتاريخه الدقيق (والمُصطلح ذاته)، أرى أنه من المُهم التركيز على كيف بدأ.
 

الحصول على كتاب "ماثماتيكا سينتاكسيس" لبطليموس (والذي يُعرف الآن باسمه العربي "المجسطي" Almagest) كان أحد شروط معاهدة السلام في الحرب التي دارت بين العباسيين والإمبراطورية البيزنطية

البداية كانت بإنشاء هارون الرشيد لبيت الحكمة في بغداد.
لا توجد أي مؤسسة في العالم الحديث تُماثل بيت الحكمة. يعني لا يُمكننا اعتباره مؤسسة تعليمية فقط، أو مؤسسة ترجمة فقط، أو صالون علمي ثقافي فقط، أو مركز أبحاث فقط، لأنه ببساطة كان كل ذلك.
 

الغرض من إنشاء بيت الحكمة كان ترجمة كُل معارف العالم القديم للعربية. كلمة "كُل" تعني حرفيًا كُل شيء. كانت المعارف تُترجم من مصادرها الأصلية رأسًا إلى اللُغة العربية؛ معارف اليونان من اليونانية، الهند من السنسكريتية، الصين من الصينية، بلاد فارس (إيران حاليًا) من الفارسية، بالإضافة للمعارف المتوفرة باللغة السيريانية.

العمل في بيت الحكمة لم يقتصر على جنسية مُعينة أو قومية معينة أو ديانة مُعينة، ولهذا السبب فعدد كبير من ألمع الأسماء التي نعرفها الآن ممن عملوا في بيت الحكمة تعود لمسيحيين ويهود وفُرس.
 

بحلول مُنتصف القرن التاسع الميلادي، كان بيت الحكمة يمتلك أكبر عدد من الكُتب في العالم. بعبارة أُخرى، تم توحيد كُل معارف العالم القديم في حاوية واحدة، لُغة واحدة، ومن ثم أصبحت العربية هي اللغة الرسمية للعلم.
 

بلغ بيت الحكمة ذروته في عهد الخليفة المأمون، والذي كان لديه شغف كبير بالعلم والعُلماء دفعه لأن يشرف على العمل فيه بشكل شخصي، كما أنه ضاعف من ميزانيته بشكل كبير، الأمر الذي سمح للمترجمين والأكاديمين رُبما للمرة الأولى في التاريخ بالاعتماد على الكتابة والتأليف والترجمة والبحث العلمي فقط في الحصول على ما يكفي لحياة كريمة، هذا بالإضافة للمكانة الرفيعة التي تمتعوا بها بين العامة والحُكام.
 

في الحقيقة كانت المعرفة قيمة جدًا في تلك الفترة لدرجة أنه كان يتم تفضيل الكُتُب على الأموال كغنائم حرب في بعض الأحيان. على سبيل المثال، الحصول على كتاب "ماثماتيكا سينتاكسيس" لبطليموس (والذي يُعرف الآن باسمه العربي "المجسطي" Almagest) كان أحد شروط معاهدة السلام في الحرب التي دارت بين العباسيين والإمبراطورية البيزنطية.. النتيجة الحتمية لكل ذلك كانت تدفقًا هائلًا لمُساهمات وإضافات أصلية في كُل المجالات المعرفية، العلمية وغير العلمية.
 

لكن ماذا لو سُئل المأمون في القرن التاسع الميلادي عن تصوره عن شكل البلاد بعد 12 قرنًا من زمنه؟.. على الرغم من أننا لن نعرف الإجابة أبدًا، الشيء الوحيد المؤكد هو أن الوضع الحالي لم يكُن ليرد عليه في أسوء كوابيسه.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.