قبول الآخر والتنازل عن الدين

blogs- الحفاظ على الدين

بعد أن صلينا العيد مع بعض الأصدقاء من مختلف الجنسيات ذهبنا لأحد أكبر المولات ليعبر لي صديقي الأندونيسي المسلم أنه فرحٌ مسرور لأنه سيسافر بعد عدة أيام لمقابلة أعز أصدقاءه، حيث أتت تلك المعزة كونهم جميعهم وجدوا صديقاتهم "girlfriend" في ذات الرحلة حينما كانوا في كندا وكان يوم سعدهم جميعاً.
 

حينها ولأول مرة أجد مسلماً لديه صديقة حبيبة بالمفهوم الغربي، فتمالكت نفسي دون إبداء أي انزعاج حتى أتفهم الأمر تماماً وأنظر ماذا سأفعل بعد ذلك. ثم يستفسر هو وآخر من أذربيجان شرقي أوروبا عن أنهم يجدون بعض المصريين الرجال يضعون أياديهم في أيدي بعضهم بعضاً وهل ما إذا كان عند المصريين الكثير من الشواذ! فأجبتهم قطعاً أن هذا الأمر عادي في بلادنا فهم مجرد أصدقاء أو زملاء فحسب، وفكرة الشذوذ عندنا قليلة بل نادرة للغاية.
 

وفي ذات الوقت أخذت أفكر ملياً، أن علينا أن نتعرف ونتقبل ثقافات الآخرين وإما سنجد أنفسنا نقذف بالحجارة إذا كنا في مجتمع شرقي أسيوي، أو سيحدث ما حذرني منه صديقي الجزائري، أن احذر من هذا المكسيكي، فقد عرض عليه نفسه ليكون رفيقه إذا كان يراه مثيراً.
 

وكون أن أرى رجلاً متصالحاً مع نفسه حين يقول عن نفسه أنه لا ديني ويقصد هنا أنه لا يعتنق أي دين وليس كونه ملحداً، يقول أمي مسلمة متدينة أما أبي فليس متدين، وأنا أشرب الخمر بل وأحبه ولي صديقات، هذا الوضوح مع النفس أشعرني بقبوله أفضل من المسلم الذي يفعل كل الموبقات والظلم والظلمات ويعرف نفسه في نهاية الأمر أنه مسلم.
 

رغم هذا التقبل لمعتقدات وأفعال الآخرين، قال له أحد الأصدقاء العرب معرباً عن رفضه لهذا الأمر بأن عليه ألا يشرب الخمر داخل السكن نهائياً، فقال صديق حكيم من تركيا مادام أنه لن يشرب في حضرتك فلا ضير، واتفقوا في آخر الأمر أن عليه ألا يترك وراءه متعلقات الخمور داخل السكن نهائياً، وقبلوا جميعهم ذلك ونزع الله فتيل الشحناء من بينهم.
 

بطبيعة الحال تمنعني نفسي أن أترك هؤلاء دون أن أترك فيهم بصمتي، وإلا سيتحول مني القبول ذات يوم لأكون مثلهم، ومن خالط القوم أربعين يوم صار مثلهم. فسألت الأندونيسي المسلم كيف وصل به الأمر إلى هذا الحال، فعبر لي عن كونه مسلماً يصلي بل ويحافظ على الصلاة ويفعل بعض الذنوب يعلمها من شرب الخمر أحيانا وغيرها من الأمور "الغربية"، والذي يحاول جاهداً أن يكون أفضل يوماً بعد يوم.
 

مع عدم قبول البعض في المجتمعات العنصرية الغربية للمسلمين، يجد البعض من المسلمين أنفسهم يتنازلون عن مظاهرهم الإسلامية والتي هي من الفرائض وليس مجرد مظهر فحسب

أما عن الشاب الرائع من أذربيجان وهي دولة مسلمة في أغلبها ولكنهم لا يعلمون الكثير عن الإسلام اللهم إلا كونهم مسلمين، كمعظم دول شرق أوروبا. أخذت أقول له بعيداً عن الإسلام فإن الخمور مهلكات للصحة.

وصارحته بحبي له بمزيدٍ من التوضيحات الكثيرة حتى لا يساء الفهم أنه حبي أخوي وأني أتمنى وأود له ما أتمناه لنفسي، ولا أريد منه سوى أن يظل على التوحيد فكل المعاصي هي في النهاية معاصي أما أمر الخلود في الجنة أو النار فهو مبني على ما تعتقده من توحيد ووجود للدار الآخرة، ففرح بحديثي للغاية وشكرني على حديثي برفق معه.

 

أخذت بعدها أفكر كثيراً كيف نحن نتقبل الآخر والمختلف معنا شكلاً وموضوعاً وديناً وثقافةً ، ونحارب بعضاً بعضاً في بلادنا ونتقاتل على اختلاف فكري سياسي بسيط، كيف لنا أن نتقبل هذا وإسلامه الهش ونكفر بعضنا ويخرج أحدنا الآخر من الملة ويجعلنا من أهل النار!!
 

وكأن الحكمة صارت "أنا والغريب على بن عمي وانا وابن عمي على أخي". هذا القبول مبني على تفهم كل واحد منا لثقافة ودين وعرف ومبادئ الآخر. أما التنازل عن الأخلاق أو الهوية سيأتي في نهاية تلك التنازلات لا محالة إلى بداية السقوط في الهاوية بل والتخلي عن الدين، وهو ما سنوضحة بمواقف أخرى والفرق الشاسع بينها وبين قبول الآخر.
 

كنت مع الأصدقاء ذات يوم ونريد أن نخرج سوياً لزيارة معالم البلد والسمر وغيره ، وبعد أن زرنا بعض الأماكن أصر البعض علينا ويقولون نريد (party) ولما استفهمت منهم عن ماهية "البارتي" تلك وماهو هذا المكان بالتحديد ولما علمت بما لا يدع مجالاً للشك انه ملهى ليلي (night club) وليس مجرد مكان عادي سيحتفلون هم فيه بأي شكل عادي ومقبول.
 

ذهب آخرون ولم أذهب أنا معهم، فوجد من ذهب ما لا يسرهم من رقص وصخب ومعاقرة الخمور وبيئة تنتظر أن يخسف الله بهم ، وهذا بداية التنازل والضياع، فالذي يذهب لن يذهب لشرب كوب قهوة مع توفرها على كل حال، ولو فعلتها مرة ستتنازل في الأخرى ووسائل التنازل والضياع كثيرة ومتعددة لاسيما مع إصرار البعض على أن تذهب معهم لحضور حفلة، ومن يحضر يدعوه لغيرها وغيرها وكأنهم خُلقوا من أجل ذلك، ومن سلم من هاويةٍ سقط في أخرى.
 

ومن المواقف الجليلة الأخرى والتي لم أتعرض لها شخصياً كوني رجلاً لكن تتعرض له كثير من المسلمات، لاسيما ومع عدم قبول البعض في المجتمعات العنصرية الغربية للمسلمين، يجد البعض من المسلمين أنفسهم وهم يتنازلون عن مظاهرهم الاسلامية والتي هي من الفرائض وليس مجرد مظهر فحسب فهم يشربون الخمور وأنت لا وأنت (كفتاة) تلبسين الحجاب وهم لا يريدون ذلك.
 

علينا وعلى كافة المسلمين المغتربين خاصةً أن يعلموا أن بين قبول الآخر والتنازل شعرةً، قال عنها الحبيب المصطفى"ولكن وطنوا أنفسكم"

كثير من الفتيات خلعن الحجاب إما لتنازل حقيقي منهن تماشياً مع الثقافة الغربية، أو اضطرارياً خوفاً من أن يجدوا أنفسهن وقد قتلن أو شوهت وجوههن من عنصري حاقد سيقولون عنه مجنون بالإسلاموفوبيا بعد ذلك ولن يعاقب حقيقةً، حتى وإن عوقب فماذا سنستفيد من معاقبته إن لم تكن العقوبة رادعةً له قبل أن يقوم بالاعتداء علينا؟!.
 

وبذلك تخلع إحداهن الحجاب لكي يقبلهن هذا المجتمع الفاسد، وبذلك يكون التعدي من مسألة القبول لمسألة التنازل التدريجي والذي سيأتي بعده الكثير للتنازل عنه حتى نكون مسخة غربية بلا طعم ولا رائحة، وذلك مع إصرارهم لتكون نسخة منهم فلن يقبلوا بخلع الحجاب فحسب، بل يريدون إقامة علاقات عابرة مع هذا الجسد الجديد، أو علاقات دائمة بغير زواج كما هي حياتهم.

والرفض لأسباب دينية مع هؤلاء اللادينيون يزعج شهواتهم وينغص عليهم مزاجهم ومن ثم سوف يضطرونك لقبول التنازل يوماً بعد يوم، حتى سيأتي اليوم لتعلن فيه تركك لدينك بالكلية.
 

ولهذا ..علينا وعلى كافة المسلمين المغتربين خاصةً أن يعلموا أن بين قبول الآخر والتنازل شعرةً، قال عنها الحبيب المصطفى"ولكن وطنوا أنفسكم". فتلك هي الشعرة بين تلك الأمور الفضفاضة التي يمكن فيها قبول الآخر والتعامل معها، والأخرى التي لا يمكن أبداً التنازل عنها أو التفريط فيها مهما حدث لأنه إذا انسلت عقدة منها انسلت العقد جميعاً.