شعار قسم مدونات

يحدث أن يجعلنا لون الدم نحب

blogs - Love - Blood
مذ كنتُ صغيرا دأب والديّ المرهَقين على تعليمي أكثر الدروس القاسية والعسيرة وأعمق الأسئلة جدلا: "كيف نحب؟".. لم تكن مدارسنا الريفيّة البعيدة لتعلّمنا ذلك، لم تكن فضاءات القرية لتكون قادرة على احتواء قلوب مندفعة و بسيطة لا يوقف مدّها غير البرد القارص شتاء أو الحرارة الشديدة صيفا بل ومساحات زهور التوليب الممتدّة على طول مسافة المدرسة إذ يوقفنا عبيرها ساعات طوال ككلّ ربيع.

وحده الخريف يحلّ علينا بشحوبه و مرارته ليذكّرنا أنّ الآخر لا يزال يموت، يعيد إلينا ذكرى الخيبة والفناء، يذكّرنا ثانية بلون الموت.. وحده أكثر الفصول التّي ترمّم شظايا أنفسنا المتدافعة و نبض أفئدتنا المتمرّدة دوما.

كبرتُ قليلا و بتُّ أعوّل على نفسي كثيرا حتّى عاهدتني أن أقطع مسافات الوجع و الحنين حتّى ألقى الحبّ أو كنزي الدفين

اكتفت مدارسنا متهالكة الجدران بتلقيننا موتنا السريريّ الظالم ومصيرنا المحتوم، تحاول دائما برمجة عقولنا وحشوها بعلب من الحبّ الجاهزة"، لذلك كنتُ أكره المدارس من ألوان طباشيرنا المحترقة حتّى صراخ المدرّسة بكلماتها التّي أجهضت أحلامنا و هي لا تزال أجنّة : "تلامذة العاصمة غدوة يوليّو رموز الوطن، و أنتم خدّام عندهم..".

ولكم صرتُ أمقت تلك المدرسة يوم طُرد أحد زملائي نهائيّا لأّنه تمرّد على الصمت و أبدى جرأة مذهلة حين انتفض من طاولته القصيرة ليقول : "علمّونا الحبّ حتّى نعرف أنفسنا!"، بتُ أرى في مدرستي سجنا لا مفرّ منه غير أحضان والدّي مدرستي الأولى، لذلك انقلبت المعايير عندي إذ أصبحت أنتظر ساعة العودة إلى الديار لأتعلّم ثمّ أعود إلى المدرسة لألعب فقط.

كبرتُ قليلا و بتُّ أعوّل على نفسي كثيرا حتّى عاهدتني أن أقطع مسافات الوجع و الحنين حتّى ألقى الحبّ أو كنزي الدفين. لم تفلح تنهّدات "سيلفيا" في رواية "طوق الياسمين" على جعلي محبّا، لم أكن كذلك لأفهم معنى الحبّ الذّي جمع "ندى" بـ "أحمد" في رواية "في قلبي أنثى عبريّة".

أصبحتُ أكره الروايات التجاريّة و فلسفة الصمت القاهرة. كنتُ واثقا أنّ الحبّ الجوهريّ البعيد لن أعبره من مدرستي القاسية ولا الروايات الجافية، وحدهما والديّ زوّداني بالعدّة لأكمل طريقي الشاقّة وحدي في أكثر الرحلات و المغامرات حنينا و غرابة!

عجزنا على فهمه وهو الذّي يسكن كلّ تفاصيلنا المشوّهة.. لم نكن قادرين على أن نحبّ، فقط يحدثُ أن يجعلنا لون الدمّ نحب!!

في سنة مفاجئة زرتُ حلب، لم أكن أطمع بشيء من طقوسها الملهمة بل لم أعرها انتباهي فقد كانت سوريا يومها مجرّد محطّة عبور لقطع الرحلة. لم أفكّر ساعة بأنّ كنزي المفقود كان دفينا بمدينة حسبتها على خرائطي مجرّد نافذة للعبور، مسافة مرور لا أكثر.
صُدمتُ يومها كثيرا كصدمة ولادتي القيصريّة من رحم عربيّ بائس، هل يُعقل ذلك ؟؟

الحبّ إذن مسافة ثوراتنا المنهكة و كتفينا المتعَبين.. الحبّ يا سيدّتي السوريّة جدران المدينة المسلوبة و روائح العطر السوريّ الساحرة.. الحبّ الذّي كرّستُ حياتي بحثا عنه لم يكن مجرّد هدف أو نقطة وصول، انّه بحجم بنادقنا الفارغة و آآهاتنا المسحوقة و وجعنا الأليم.. إنّه غلاف بنادق الهاون القاسية و مذكّرات مقاتل مسلوب.

الحبّ الذّي عجزت مدرستنا على تلقيننا إيّاه كان أكبر من أن تحتويه كرّاستنا و قاعات دروسنا الآيلة إلى السقوط، الحبّ هو وجعنا المركون خلف دمائنا و رحلات بحارنا المنتَحرة.. إنّه أشبه بالسمّ الذّي لا يصرع شاربه، إنّه لون سماويّ غريب زيّن أنفسنا المهترئة.

الحبّ يا نفسي المغرَّرُ بها رحلتي التّي توقّفتْ قبل أن تبدأ حتّى، إنّه لون الطريق العربيّة الطويلة وآخر هزائمنا المخجلة.

عجزنا على فهمه وهو الذّي يسكن كلّ تفاصيلنا المشوّهة.. لم نكن قادرين على أن نحبّ، فقط يحدثُ أن يجعلنا لون الدمّ نحب!!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.