"تأريخنا والهوية الضائعة"

blogs-تاريخ

يبدو التأريخ بمفهومه الشمولي والذي يرصدُ الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لكلِّ أمةٍ أو شعبٍ في زمنٍ ما، يبدو هذا المفهوم مدخلاً مهماً للوقوفِ على مشارفِ وتخومِ الصراعِ الإنساني في سبيل إثباتِ الوجودِ، سواءً كان هذا الصراع خيِّراً أو شريراً بحسب المعايير البشرية والدينية.

ولا يمكن لأيِّ أمةٍ راغبةٍ في المضي إلى المستقبل أن تُغفِل الانتباه لتأريخها، بل أن تنطلق في رحلتها السريعةِ إلى المستقبل دون أن تتزود بتأريخها الماضي لفتح حُجُب المستقبل الكثيرة، والتي تبدو كالأقفال العصيةِ على الفتح، إلاّ بمفاتيحِ التاريخ العابقِ بالتراثِ والمعرفة والحكمة.

المؤسف حقاً أن تكون هناك أممٌ وشعوبٌ في الجزيرة العربية، بعيدة تماماً عن التماس الحقيقي مع حضارتها التي لا تقل عن غيرها من الحضارات الغابرة

ولا أعرفُ أمةً من الأمم المتقدمة في الحاضر، إلاّ وقد اقتبست من تأريخها شعلةً مضيئة تشق بها عتمة الزمن، وتتجاوز به غاباته المظلمة الموحشة، وهي إذ تفعل ذلك تؤكدُ للأجيال الحاضرة أهميةَ الاعتناء بتاريخها والنظر إليه نظرةَ تقديسٍ واحترامٍ وإجلال، يصل لدرجةِ عدم القبولِ بالمساس به وتشويهه، او محاولة التقليل من منجزاتِه وعطاءاته.

وتكمن قيمة التأريخِ في قدرته على تثبيتِ الدفاعاتِ للأمةِ من طرفيها الزمنيين، الماضي والمستقبلِ منها، ولذلك حين ينهارُ الصرح الحضاري لأمةٍ ما، فإنها في الغالبِ تنكمشُ على ذاتِها لتنقِب في تأريخها عن مواطنِ الفخرِ والعزةِ والفيضِ الحضاري، والإشعاع الإنساني، وهذه العودة بلا شك تبث في أيِّ أمةٍ كانت روح الأمل والمثابرةِ والعودةِ المشرقة للمستقبل بروحٍ أكثر وثوباً وفاعلية.

وربما تظهر هذه العودة الحثيثة للتأريخ والتراثِ الحضاري والفكري، لدى شعوبِ اليونان، والرومان، والمصريين، والصينيين، والهنود، وشعوب بلاد الرافدين، والشام؛ تلك العودة تمثِّل فرصةً للتفكير المتأني والصحيح في الماضي، ومحاولة اختراق الحاضر إلى المستقبل من خلاله.

والمؤسف حقاً أن تكون هناك أممٌ وشعوبٌ في الجزيرة العربية، بعيدة تماماً عن التماس الحقيقي مع حضارتها التي لا تقل عن غيرها من الحضارات الغابرة، وهذا البعدِ عن التعرُّف على تأريخ الجزيرة العربية بشكلٍ عام، يبدو محيِّراً جداً لكل قارئٍ للتأريخ، خاصةً وأنّ هذا البعد التام يأتي في وقتٍ تمسُّ فيه الحاجة إلى الرجوع إلى التأريخ، ليس ذلك الرجوع النوستالجي، المتمثل في الوقوفِ على الأطلالِ والبكاءِ على الماضي، بل الرجوع العلمي الفكري الرصين، الذي عن طريقه يمكن أن تتشكل الدوائر الأكثر اتساعاً وإشعاعاً لأيِّ حضارةٍ وتأريخٍ مشرق.

وبطرحِ أسئلةٍ تأريخية عامة على شعوبِ المنطقةِ يتبدّى وللأسف الجهل الكبير بأساسيات لا يمكن لأيِّ أمةٍ أن تغفل عنها، حين نجهل للأسف الشديد أسماء عظمائنا وعلمائنا الذين أبهروا العالم وأثروا الحضارة الأوروبية وأسهموا في انطلاقها، وحين نجهل ترتيب وتأريخ الدول والممالك التي مرَّت واستقرَّت هنا على هذه الأرض وأسهمت في التطور التأريخي فيها، سواءً كان إسهامها إرادياً أو لا إرادياً.

وحين ننفصل حتى عن أهمِّ مرتكزاتِ الحضارة لكلِّ أمةٍ، وهي لغتها التي بها تفكر وبها تتحدث وبها تكتب وتبدع وتثري العلوم في شتّى مجالاتها، وحين يكون منتهى المعرفة وغاية الفخر لدى الكثيرين هو الارتشاف البسيط من اللغاتِ الأخرى الأقلَّ عمقاً والأحدث تأريخياً من لغاتنا، ومحاولة التباهي بهذه اللغات كمحصِّلٍ ذاتيٍ وحسب دون النظر إلى اللغات كمحصِّلٍ حضاريٍ وثقافيٍ مشترك

مجتمع بلا تأريخ ولا حضارة، سيكون في المستقبل عبئاً حقيقياً على البشرية، ولن يصمد إزاء تقلبات التأريخ العنيفة والمستمرة

وحين تكون اللغة العربية في مجتمعاتٍ وشعوبٍ عربية، هي أقلّ المواد تحصيلاً ودرجاتٍ في مراحل التعليم، هنا بإمكان المهتم بهذه الأمةِ وحضارتها وتأريخها، أن يتوجَّس من المستقبل القادم، المستقبل المسخِ المشوه، المستقبل المريضِ بكراهية وازدراء ماضيه، المستقبل المظلم جداً، والذي نسي أن يقتبس من ماضيه شعلةً قد تُسهمُ في تجاوزه هذه الظلمات القابعة في طريقه إلى الغد.

مؤلمٌ جداً أن يكونَ التفريطُ في هويتنا بهذه البساطة، والمؤلم أكثر أنّ الأجيال القادمة ستكون -إن استمر الحالُ على ما هو عليه- أكثر تفريطاً بالهوية الجمعية، واللغة، والتأريخ.

إنّ مجتمعاً بلا تأريخ ولا حضارة، سيكون في المستقبل عبئاً حقيقياً على البشرية، ولن يصمد إزاء تقلبات التأريخ العنيفة والمستمرة، وهذا يعني أنّ مجتمعاً كهذا في طريقه للانقراض الطبيعي.