وجوه بألف تأشيرة سفر

blogs - Travel - People
بدا وجهها ثقيلاً، ينوء تحت طبقات من مواد الزينة التي تراصت فوقه، لامعا مع أشعة الشمس التي انعكست عليه من نافذة الحافلة الجانبية. شعرت بنفسي أغوص شيئاً فشيئاً في أدق تفاصيل هذا الوجه، محاولة اكتشاف شيء آخر ينم عن الحياة، وتحت هذا التمثال وجدت روحا راقصة، مفعمة بالحركة، تروح وتجيء بشكل مبهج مرتدية خامات مطرزة ملونة تسر عين الناظر، وكأنني أمام لوحة زاهية من كرنفال عيد في بلد ما.
وعندما غادرت الحافلة وغابت بين الزحام، شعرت وكأن بلدا كاملاً معها قد رحل.

استغربت كثيرا لم لم أكن ألحظ هذه الوجوه قبلا؟ لم لم أكن أرى فيها ما أراه اليوم؟ وبعد بحث طويل كانت الإجابة هي "التعود"!

كان وجهها مخالفا تماما لوجهه، وجهه كان خاليا من الألوان، شاحبا وكأن دما لم يجري فيه أبداً، كان يجلس بجانب سائق الحافلة معاكسا لباقي الركاب، ظهره للسائق ووجهه لنا، كان بارداً جداً، لدرجة شعرت فيها ببرودة وجهه وجمود قلبه يجتاح الممر ويغمر صفوف الركاب واحداً تلو الآخر حتى وصلني، وأنا أبعد عنه مسافة تخيلتها كبعد أقطاب الأرض عن مركزها.

تلك الثلوج المتجمدة في عروقه وصلتني وأحاطت بي، وبدأت تأكل شيئاً فشيئا كل الدفء الذي كان يملأني، وعلى مدار ساعة كاملة كانت مسافة الطريق، لم أرغب بشيء مثل رغبتي في مغادرة هذا البرد القارس والعودة للبحث عن ذلك الوجه الدافئ الذي غابت ألوانه وسط الزحام.

استغربت كثيرا لم لم أكن ألحظ هذه الوجوه قبلا؟ لم لم أكن أرى فيها ما أراه اليوم؟ وبعد بحث طويل كانت الإجابة هي "التعود"!، فالإنسان عندما يتعود على فكرة ما يفقد دهشته اتجاهها، ومتى ما فقد دهشته، لا تعود تغريه الكثير من الأشياء وتفقد معناها.

منذ ذلك الحين، منذ بدأت أرى وجوها ملونة مثل كرنفالات العيد، وأخرى باردة مثل ثلوج الأقطاب المتجمدة، وأخرى مؤلمة حد الخنجر تدهشني، لم أعد ألعن الساعات الطويلة التي أقضيها في التنقل على الطرقات، لم تعد أربع ساعات أقضيها يومياً في عشر وسائل نقل مختلفة لعدة سنوات أمراً ملعونا بالنسبة إلي، بل أصبح سفرا، سفرا أطيق تكاليفه، سفرا انتشلني من التعود البائس الذي غلبني، تعود على الحياة والتفاصيل والناس، سفرا جعلني أعود وأنظر إلى كل ما سبق بعين الدهشة، وتأشيراتي فيه كانت وجوها بألف تأشيرة سفر.

"هنالك وجوه مثل العيد، تحتفل بها كلما اقتربت منك، ووجوه مثل الجليد، لا تعرف معها لا أنساً ولا غربة"

كنت ملتصقة بالنافذة حين شممت رائحة نفّاذة تجلس بجانبي، امرأة مسنّة رائحتها كرائحة كوخ قديم يجمع بين الرطوبة والمرض والفقر في مكان واحد، يقبع بين عشرات الأكواخ متشابهة الحال في منطقة نائية عششت فيها رائحة الفقر ورائحة الجوع.

ميزة هذه الروائح أننا لا نستطيع التخلص منها، فهي تعلق بنا لوقت طويل، ونظل نشمها مع الوقت وإن لم يشمها أحد آخر. وكما رائحتها كانت ملابسها، رثة بالية، قضت على هذا الجسد وقتاً كافياً لتصبح جزءاً من خلاياه.

منذ اليوم لن يصيبني أي ضجر، ولن أقلق من أي حدث، ولن تشبه الأيام بعضها بعضاً، فلدي الكثير الكثير من السفر

قضيت وقتاً طويلاً أتجنب مثل هذه الوجوه، وفهمها كان عصيا علي، كانت القصص التي تنطق بها العيون حملا ثقيلا علي لأحمله، وأنقله وأرويه لكل الركاب الذين سألتقي بهم على مر السنين، إلا أنني أدركت يوماً أن هذه الوجوه هي في الحقيقة كنزي، دهشتي التي عادت إلي وجعلتني في شغف دائم، تأشيراتي للسفر إلى جميع أنحاء هذا العالم، وهوية جديدة أرى بها نفسي، نفسي التي لو عاشت رحلتهم بدلاً من رحلتي كيف كانت ستكون.

كل تلك الوجوه أوصلتني إلى نتيجة مذهلة، إلى جزء من جواب سؤال ظللت سنوات وأنا أتقصى الإجابة عنه، ذلك السؤال الذي كان أحد أسباب ظهور الفلاسفة، ووراء مئات الكتب التي كان السؤال محورا أساسياً لمحتواها، السؤال الجدلي: من أنت؟! وها أنا ذا وجدت إجابة على السؤال أو على الأقل جزءاً منه، فأنا:

"فتاة لن تتعود على هذا العالم، ويدهشها بعمق كل شيء فيه!"

منذ اليوم لن يصيبني أي ضجر، ولن أقلق من أي حدث، ولن تشبه الأيام بعضها بعضاً، فلدي الكثير الكثير من السفر، أنا رحالة في هذا العالم، الدهشة فيه جواز سفري، وتأشيراتي وجوه بألف تأشيرة سفر.