نيل المُنى في مِنى

blogs-منى
ما منا إلا ويتمنى، أو على الأقل، يحب أن تطأ أقدامه صعيد عرفات ويبيت في منى، ضيفا على الرحمن. وكلنا تابعنا ونتابع مناسك الحج على شاشات الفضائيات، لكن أن تكون جزءا من المشهد فالأمر يختلف.

أن ترتدي ملابس الإحرام، وتتخفف رمزيا من الدنيا، فتسير وسط سيل من الناس بهيئة واحدة على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، لا تعلم ما وظيفه هذا، أو كم يملك ذاك.. يقصدون هدفا واحد، ويرددون نداء واحدا. يغمسك هذا كله في روحية آخرى لم تعهدها في حياتك، خصوصا إذا كانت تجربتك الأولى في هذا الركن الغني بالمعاني من أركان الإسلام.

أبرز ما تنطوي عليه مناسك الحج هو فكرة التسليم والانقياد لأوامر الله، وتفاصيل تفاصيل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حج إلى بيت الله الحرام.

الروحية الجديدة التي تتلبسك في مناسك الحج تخلعك من مفاهيمك وروتينك الذي اعتدت، وتخلق لديك قدرة نفسية تتناسب وقدسية المكان والزمان والمناسك، فلا ترى في الزحام الشديد والتدافع أحيانا في الطريق إلى عرفة ومنه وعلى صعيده ما يضيق صدرك، ويكون للأصوات المرتفعة حولك بالتلبية وقع آخر على أذنك لا يؤذيك، ويكون للوقوف ساعات تحت الشمس الساطعة والعرق الغزير معنى آخر ليس كالذي اعتدته، لا أقول ممتع، ففيه تعب وعنت بالطبع، لكن احتساب ما يصاحبه من أجر ومغفرة، والقرب الشديد من الخالق المقصود في هذه الرحلة، يخفف من كل هذه المشقة.

مشهد تدفق الحجيج من مشعر إلى آخر، وخصوصا النفرة من عرفة إلى مزدلفة والمبيت فيها، يثير في النفس الكثير من المعاني. أهمها يقين هذه الجموع الكامل بوعد الله لهم أن يرجعوا إلى أهليهم كيوم ولدتهم أمهاتهم. وإلا فما الذي يصبر العجائز والمرضى- ورأيت أحدهم يستعين بعكازين ورجله مقطوعة- على السير على الأقدام لخمس أو ست كيلومترات وهم يحملون أمتعتهم على أكتافهم.

ثم عندما يصلون إلى المزدلفة، يبيتون ليلتهم على الأرض، لا خيمة ولا غطاء ولا فراش، مئات آلاف الأجساد المنهكة تتمدد في هكذا ظروف، وهم في كامل الرضى والسعادة بهذه المعاناة. ثم في مشعر منى مسير طويل لأربع أيام متتالية تحت الشمس الحارقة لرمي الجمرات وسط الزحام – وإن كان هذا العام غاب الازدحام بفضل التسهيلات بالطرق والفتاوى الميسرة- وما كل ذلك الصبر إلا طمعا فيما عند الله من أجر ومثوبة، تستحق أن ينتظر بعضهم عشرين أو ثلاثين سنة ليتاح له أداء فريضة الحج، ويعتبرها بحق رحلة العمر.

في المكان الخاص والزمان الخاص يختلف كل شيء، فيتصالح رجل الأمن مع المواطن، وهي العلاقة المتوترة والمتشنجة غالبا في بلداننا.

أبرز ما تنطوي عليه مناسك الحج هو فكرة التسليم والانقياد لأوامر الله، وتفاصيل تفاصيل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حج إلى بيت الله الحرام. أما بالمنطق البشري ومحاولة فهم المغزى من هذا النسك أو ذاك فلا يبدو الأمر مفهوما، مثل المبيت في المزدلفة دون عبادة أو شعيرة تؤدى، أو المبيت في منى لأربعة أيام لأداء نفس العمل كل يوم. لكن الإيمان اليقيني بالله وبما أمر وما وعد هو ما يشد ملايين المسلمين لأداء هذه الفريضة رغم كل صعابها ومشاقها.

في المكان الخاص والزمان الخاص يختلف كل شيء، فيتصالح رجل الأمن مع المواطن، وهي العلاقة المتوترة والمتشنجة غالبا في بلداننا.. سمعت على مدى سنوات طويلة عن خشونة رجال الأمن مع الحجاج في مواقع الازدحام، إلا أن ما رأيته خالف توقعاتي، بل صدمني للحق، فلم أشاهد من رجال الأمن ومنظمي حركة الحجيج إلا المعاملة اللطيفة والكلمة الطيبة، ويتطوع بعضهم برش الماء على رؤوس الحجيج للتخفيف عليهم من شدة الحرارة، ويرشدونهم إلى مقاصدهم دون توتر نعهده في الأماكن المزدحمة بحياتنا اليومية. ويشهد من اعتادوا الحج أن أداء الأمن هذا العام كان مميزا ومن أكثر ما لفت نظرهم في موسم هذا العام. وهو ما يستحق التسجيل والإشادة.