لماذا فشل المشروع السياسي لجمال الدين الأفغاني؟

blogs - masr
كما ذكرت في تدوينة الأسبوع الماضي فإن المسلك السياسي للأفغاني يختلف تماماً عن الطهطاوي في أنه مسلك يدعو صراحة للإصلاح السياسي و يحمل مسؤولية ما حصل و يحصل في العالم الإسلامي للحكام المستبدين الذين ما هم في الحقيقة إلا وكلاء للاستعمار الغربي.

لقد كان عنوان مشروع جمال الدين الأفغاني التحرري الذي أسس في سبيله الحزب الوطني المصري يتكون من ثلاث نقاط:
1. تحرير الوطن الإسلامي بتخليصه من كل سلطان أجنبي سياسي أو اقتصادي. 
2. إحياء مشاريع الوحدة بين المسلمين واستبدال الخلافة العثمانية بالجامعة الإسلامية. 
3.تخليص المسلمين من الحكام المستبدين وتطبيق المشروطية (الديمقراطية) بأكمل وجه.
 

قامت السلطة الخديوية في مصر بترحيل الأفغاني إلى الهند ورغماً عن نفيه فقد تحرك تلاميذ الأفغاني تلقائيا في الجيش ليجبروا توفيق على تطبيق المشروطية السياسية.

ولتنفيذ هذه الأجندة الثورية ركز الأفغاني على النخبة المثقفة في مصر و على الجيش فاستطاع تجنيد شخصيات مثل سعد زغلول وقاسم أمين و محمود سامي البارودي وأحمد عرابي وحتى الخديوي توفيق نفسه كان من تلاميذ الأفغاني جندهم كلهم لصالح مشروعه ولكن أحلامه طارت مع الرياح فالخديوي توفيق خان الأفغاني ومشروعه واستمر في سياسة والده الفاسد الموالي للغرب.

قامت السلطة الخديوية في مصر بترحيل الأفغاني إلى الهند ورغماً عن نفيه فقد تحرك تلاميذ الأفغاني تلقائيا في الجيش ليجبروا توفيق على تطبيق المشروطية السياسية (الديمقراطية) وإقامة برلمان وكان تحركهم هذا كارثيا فتسبب في دخول الإنجليز لمصر و ليحتلوها و ينكلوا بشعبها.

وبعد فشل الثورة العرابية آيس الأفغاني من التغيير الثوري بعد أن خذلت الجماهير الثورة التي كانت تطالب بالحياة الكريمة الآدمية لهم واختارت الجماهير عن طيب خاطر تأييد الخديوي الفاسد توفيق ضد ما أسموه هوجة عرابي وفي ذلك يحكي إبراهيم اللقاني التلميذ المقرب من الأفغاني في إحدى رسائله ما حدث معه ومع جل أنصار عرابي والأفغاني فنقرأ العجب فيقول ( يوم أخرجت مولانا "يقصد الأفغاني" كانت الحكومة في غاية الوجل من ثورة تعم القطر وتزعزع أركان البلاد حتى حملها هذا الخوف على نشر قوة في البلاد للمحافظة على الراحة (فوق العادة) ونشرت الجواسيس في سائر الأنحاء التي توهمت انتشار الثورة منها.

ولكن المصريين لك يكونوا يوما كما توهمتهم الحكومة بل كانوا غير ذلك فبلغ الخوف منهم أن كانوا يتوارون ويتمارضون في المنازل بل إن منهم من بادر في حينه إلى السفر وتغيب حتى انقطعت السيرة عنه وهذا فضلا عما كانوا يتظاهرون به من بغض السيد  (يقصد الأفغاني) والوقيعة فيه درءاً على نفوسهم الدنيئة و ليس ذلك بعجيب على المصريين فهم أمة لبثوا قرونا في ظل الاستعباد ونير الاستبداد … وإنهم ليلة أن قبضوا عليّ أقاموا على المنزل غفراً محافظة على ما فيه إلى أن يهاجموه ويضبطوا ما يضبطونه فأوعزت إلى أختي (أي شقيقة اللقاني) عندما وقفت على نيتهم بالقبض عليّ أن تواري كل ما عندي من أوراق إلا ماكان منها مجلداً مطبوعا ًفلم تتمكن من فعل ما أمرتها به فإن العسكر كانوا غفراء على المنزل منعوا خروج أحد منه و دخول أحد إليه ولهذا فإنها لم تجد بداً من طرحه على المرحاض فذهبت ذكراي فيما أذكر).

في باريس أطلق الأفغاني صحيفته الرائعة ( العروة الوثقى ) ومن هناك بشر بالتغيير الثوري  ودعى إلى إسقاط الحكم الخديوي في مصر وإلى إلغاء الخلافة واستبدالها بالجامعة الإسلامية وإلى وحدة بين كل الأقطار ذات اللغة الواحدة (الترك مع بعضهم ) و (العرب مع بعضهم) و (الفرس مع بعضهم ) … (1).

قد أيد الأفغاني الثورة المهدية في السودان ودعى لها وأجرى اتصالات مع محمد أحمد المهدي قائدها عندما حاصر الخرطوم ليقوم بعملية أسر غردون باشا (الحاكم الإنجليزي) ومبادلته مع أحمدعرابي وأسرى الثورة العرابية ومنفيها ورغم موافقة المهدي السوداني على هذا الطلب فإن أنصاره المتحمسين والثائرين قاموا بقطع رأس غردون دون أن يستشيروه وهذا الأمر أغضب المخابرات الفرنسية التي كانت تطمح أن تكون هي راعية الصفقة بين انجلترا و مهدي السودان (2) على أن تلتزم بريطانيا باستقلال السودان واعتبار المهدي ملكاً على الديار السودانية.

وتمر الأعوام و يتنقل جمال الدين بين بلاد فارس وروسيا وبريطانيا وهناك تصله رسالة من السلطان عبد الحميد تخبره أنه وافق على فكرة الجامعة الإسلامية وأنه يرغب في أن يكون مستشاره الخاص، وكان السلطان عبدالحميد كان قد بيّت الغدر بالأفغاني وما كان قبوله بفكرة الجامعة الإسلامية إلا رغبة منه في ضم الممالك الإسلامية التي ليست تحت سيطرته تحت جناحه مثل المملكة المغربية و المملكة الإيرانية.

و ما إن تسرب أمر خطة عبدالحميد حتى تمنّع شاه إيران عن المشاركة في المؤتمر الإسلامي (الجامعة الإسلامية) وفشل مشروع جمال الأفغاني بسبب الطمع والاستبداد الحميدي.

الأفغاني في الحقيقة لم يكن ثوريا بالمعنى الاصطلاحي للثورية بل كان إصلاحي في ثوب ثوري ولذلك فقد قبل العيش لفترات في ظل المستبدين.

لقد فشل مشروع جمال الدين الأفغاني في كل البلاد التي حاول تطبيقه فيها في مصر و إيران و تركيا و حتى (السودان) كان لأسباب فشل مشروع الأفغاني أسباب موضوعية:
أولها هو زهد الأفغاني للتصدر والزعامة واكتفائه بدور ( مرشد الثورة) وعدم انخراطه الموضوع في القيادة وتسليم الأمر لأتباعه كان يلقي به في كل مرة في مصيبة ويقذف به خارج حدود القطر ففشل تجربته في مصر قذف به في فرنسا وفشل تجربته في إيران قذف به في روسيا وفشل تجربته في تركيا قذف به في بريطانيا.

ثانيها أن الأفغاني كان حريصا على عدم الصدام مع القوى الغربية رغم أنه يطالب بتقليص نفوذها السياسي من البلاد الإسلامية إلا أنه لم يكن يعير بالاً أبدا لنفوذ الدول الغربية الاقتصادي ولم يكن يمانع في ربط اقتصاديات منطقتنا بما يسمونه بالاقتصاد العالمي ولم يكن يهتم بمسألة (العدالة الإجتماعية مثلاً) و لهذا فإن جهلة الفلاحين والجماهير لم ينحازوا لأهداف الأفغاني رغم أنها كان في صالحهم واختاروا الوقوف مع الباشوات باعتبار أنهم يطعمونهم حتى لو كانوا يسرقونهم (3).
 

ثالثها الأفغاني في الحقيقة لم يكن ثوريا بالمعنى الاصطلاحي للثورية بل كان إصلاحي في ثوب ثوري ولذلك فقد قبل العيش لفترات في ظل المستبدين أمثال السلطان عبدالحميد والشاه ناصر الدين والخديوي إسماعيل وابنه وكان هؤلاء المستبدين ممن يخاطبون باسم الجلالة والفخامة ومن تركع لهم أعناق الرجال غير مستعدين لأن تمنح صلاحياتهم المطلقة التي ورثوها عن آبائهم للأمة بشكل سلمي كما هو الحال في الملكيات الدستورية الراسخة في بريطانيا والدول الاسكندنافية والثورة العرابية التي كان يحركها الأفغاني من وراء ستار كانت فاشلة لأنها لم تقطع رأس الأفعى بل طالبت بتقليص صلاحياتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

(1) و للأفغاني مقال شهير في العروة الوثقى يدعو فيه للوحدة بين إيران وأفغانستان لأنهما بلدين تجمعهما اللغة والدين ويفرقهما المذهب والمعتقد ويسترشد بتجربة بسمارك الوحدوية التي وحدت الولايات الألمانية كاثوليكيها وبروتستانتيها ولذاك عندما أسست جامعة الدول العربية قال عبدالقادر المغربي تلميذ الأفغاني أنه حلم شيخه تحقق جزئيا بوحدة كل أصحاب اللغة الواحدة تمهيدا لوحدة أصحاب القبلة الواحدة. 
(2) فما أشبه ما حصل للأفغاني والمهدي بما حصل للأسير الأردني معاذ الكساسبة الذي قتله المتحمسون من داعش حرقا قبل أن تنجح عملية التفاوض و مبادلته مع ساجدة الريشاوي. 
(3) العجب العجيب أن الأفغاني زار باريس بعد أحداث الثورات العمالية التي اجتاحات أوروبا وظهور الماركسية ومع ذلك فإننا لا نجد تأثيرات ماركسية على فكر الإمام الأفغاني وجعله يفكر في الدوافع الاقتصادية للاستبداد والمستبدين.