كيف تهدم إمبراطوريتك: أرسين فينجر يخبرك!

BLOGS - WENGER
أرسين فينجر مدرب نادي الأرسنال الإنجليزي الحالي والتاريخي، الرجل الذي صنع مجد الأرسنال وصنع سنوات تقهقره.

تخبرنا القصة الممتدة منذ عشرين عامًا بين النادي والمدرب والقادمة من شوارع لندن بالكثير من التفاصيل وتمدنا بالعبر التي لا تنقطع. لكنّ تلك القصة الحزينة إن قدمت لنا شيئًا حقيقيًا لا خلاف عليه فإنها تقدم لك الدليل الشافي لكيفية هدم إمبراطوريتك الخاصة.

(سنوات الازدهار)
في أغسطس 1996، تم تقديم المدرب الفرنسي الجديد " أرسين فينجر " القادم من اليابان حيث كان يدرب نادي " ناجويا كامبس " وفاز معه بلقبين، ورغم ذلك فلم يضع كثيرون آمالًا عريضة على الفائز بالكأس مع نادي موناكو فيما سبق.

ظلّ هنالك حلم يراود شطر المدينة الأرسنالي عن نفسه، يزوره طيفه ولا يراه حقيقة، ذلك الحلم هو حمل الكأس ذات الأذنين ، الفوز بـ "دوري أبطال أوروبا".

فلم يكن أرسين مدربًا ذائعٌ صيته أو مدرب له سيرة ذاتية مميزة بل كانت حينها كل ميزاته كمدرب في بداية مشواره أنه كان له طابع أدائي خاص يختلف عن أقرانه آنذاك. يلعب الكرة كسيمفونية سريعة تطرب لها الأذن.

وصل فينغر وبدأ الأمل ينبت في قلوب محبي نادي الشمال اللندني، النادي صار يلعب كرة قدم جميلة تسعد بها العيون، والمدرب يتعاقد مع لاعبين شبان مميزين، المدرب قريبٌ من لاعبيه لكنه له شخصية حازمة في نفس الوقت، إنها الوصفة السحرية التي يبحث عنها المحبين، يبدو أن مستقبل النادي مزدهر وأنه في يدٍ أمينة.

وبالفعل لم يخب أمل المشجعين، ففي الموسم الأول لفينجر صعد الفريق إلى المركز الثالث بعد غياب طويل عن المراكز الثلاثة الأولى وفي الموسم الثاني فاز الأرسنال باللقب. لكن حتى ذلك الدوري الذي فيزَ به في الموسم الثاني لم يكن هو قمة الإزدهار. فلقد كان القدر يخبئ للأرسنال ومدربه الفرنسي شيئًا أكثر إبهارًا، ففي عام 2003 – 2004 فاز الأرسنال بـ"دوري اللاهزيمة" 26 فوز 12 تعادًلا في إنجاز غير مسبوق في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز. بعد ذلك الانتصار رُفع أرسين إلى مصاف العظماء وصار قائدًا لثورة الدوري الإنجليزي أداءًا ونتيجة.

لكن هذا لم يكن سوى الحلم الأول؛ أن يعود الأرسنال إلى منصات التتويج " المحلية الحقيقية " أي تلك الألقاب المهمة وليس فقط حصد لكؤوس رمزية لا تلبي طموحات المشجعين.

رغم تحقيق الحلم الأول، ظلّ هنالك حلم يراود شطر المدينة الأرسنالي عن نفسه، يزوره طيفه ولا يراه حقيقة، ذلك الحلم هو حمل الكأس ذات الأذنين ، الفوز بـ "دوري أبطال أوروبا " اللقب الغائب عن خزائن النادي.

نحو تحقيق هذا اللقب، قام الأرسنال بالفعل ببناء فريق يجمع بين الخبرات والشباب مع مدرب مميز، صحيح أن هذا الفريق واجه صعوبات كبيرة ولم يستطع الصمود كثيرًا في المنافسة المحلية أمام أحمر مدينة مانشستر، إلا أن الحلم الأكبر ظلّ مسيطرًا على عقل وقلب كل النادي،وبالفعل استطاع النادي الوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2006 وأقيمت المباراة في بلاد السيد أرسين فينغر على ستاد العاصمة الباريسية، لكن المباراة، لسوء حظهم، كانت أمام " برشلونة"، الذي استطاع بسيناريو دراماتيكي الفوز على أرسنال في الدقائق الأخيرة بهدفين لهدف.

(نقطة التحول)
هذه المباراة كان يجب لها أن تكون نقطة التحول في مسيرة الأرسنال بالإنفصال عن أرسين فينجر. فلقد بدا واضحًا أن الفرنسي قد أخرج كل ما في جعبته للوصول إلى النهائي، أي نجاحه في الوصول إلى النهائي الأوروبي هو قمة التوهج الذي سيصل إليه الفريق بعدما مرّ عشر سنوات على جيل 96 الذي بدأ المشوار وقدا بدا بعد الفشل في الظفر باللقب ورغبة نجوم الفريق في الرحيل أن ما هو قادم هو أن الفريق سيأخذ طريقه في منحدر الهبوط ما لم يحدث تغيير جذري.

وهو الأمر الذي لم تفطن له إدارة النادي ولم يشعر به المشجعون في حينه. حيث سيطرت العاطفة على الجميع وشعروا أنهم مدينين لفينجر بالجميل الذي صنعه حين أعاد النادي إلى الواجهة العالمية والمحلية مرة أخرى. وبالطبع فإن ذلك التغيير الجذري لم يحدث.

( من أمن العقوبة أساء الأداء )
يقول السيد ستان كرونكي مالك نادي أرسنال: فينجر يمتلك عقدًا أبديًا مع أرسنال، لن يرحل ما دام لا يريد ذلك.

وجد أرسين فينجر نفسه وحيدًا يعيش على تاريخه ويقتات عليه ويهرب إليه كلما اشتد عليه الواقع، وصار يصارع أشباحًا في مخيلته لا وجود لها في الحقيقة.

لا أعتقد أن هناك عاقل على وجه هذه الأرض سيترك راتبًا سنويًا يقدر بـ 10 مليون يورو في نظير البقاء ضمن الأربعة الأوائل والتأهل لدوري أبطال أوروبا كل موسم. ودون أن يكون مطالبًا بالفوز بأي لقب.
هنا تكمن تسعة أعشار المشكلة، ليست في الأموال التي يتقاضاها الفرنسي بل في " الطموح ". إذ صار سقف طموح إدارة النادي منخفض جدًا، هي لا تريد سوى تسديد الديون وجني بعض الأموال من وراء النادي، بينما لا يريد فينجر سوى البقاء على رأس الإدارة الفنية وفي سبيل هذا يفعل المستحيل لإرضاء " الإدارة " وليس الجمهور. لا يعي فينجر أن الإدارة تتغير بينما لا الجمهور ثابت لا يبرح مكانه.

باقي المشكلة نجدها في أشياء أخرى، مثل التأخر المخيف عن الزمن، كلما شاهدت فينجر واقفًا على خط الملعب يوجه اللاعبين تذكرت كلمة الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح " فاتكم القطار .. فاتكم القطار ". هذا بالضبط ما حدث له ولأشخاص أخرين، فمن مدرب عظيم في 2006 إلى مدرب عادي في أفضل الأحوال في 2016. لم يعد قادرًا فينجر على فهم السوق والخطط الجديدة ونفسيات اللاعبين والتطور الهائل الذي ضرب اللعبة في العشر سنوات الأخيرة، فصار مثل " الأطرش في الزفة " أو مثل رجل فاقد للإحساس بالزمان والمكان يهذي بكلمات مثل " النوعية " و "الجودة " دون يحدد ماهية كل منهما.

شيء أخر يتميز به فينجر، هو العناد. يملك الرجل رأسًا فولاذية لا تغير أبدًا ما بداخلها. تصوب للرجل الانتقادات ليل نهار ومعظمها انتقادات منطقية للغاية لكن ما يلبث الرجل أن يضرب بها عرض الحائط أو أن يفعل عكسها تمامًا وكأنه يريد أن يثبت شخصيته القوية ولو على حساب مصلحة الفريق.

في النهاية، وجد أرسين فينجر نفسه وحيدًا يعيش على تاريخه ويقتات عليه ويهرب إليه كلما اشتد عليه الواقع، وصار يصارع أشباحًا في مخيلته لا وجود لها في الحقيقة. فبعد أن هدم إمبراطوريته التي بناها، وصار صيدًا سهلًا للأندية الكبيرة لم يعد هناك أي مبرر لوجوده سوى أولئك الأشباح الذس خلقهم هو لنفسه.

( إسقاط غير مقصود )
أي تشابه بين ما يقوم به السيد أرسين فينجر والسيد الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين محمود حسين هو من قبيل الصدفة ولا يمت للواقع بصلة.