في المسألة اللوثرية في الإسلام.. أو عدنان إبراهيم (3)

blogs - adnan
ضمانات حياد المجتمع العلمي
بحثنا في الجزء الثاني من هذه الورقة اختصاصَ المؤهلين في العلم بالحكم عليه. وشرحْنا كيف أن الدين علمٌ كسائر العلوم، ينبغي أن يقتصر الكلام فيه على أهل العلم به وحدهم. وأن هذا أمرٌ عام مستطرقٌ في جميع العلوم وليس حالة خاصةً بالدين. وأن هذا المفهوم لا يتقاطع مع مفهوم الكهنوت الموجود في بعض الديانات. وأن البحث الديني يحتاج أدوات ومقومات خاصّة به كعلم، ولا يكفي الانتساب للدين، ولا مجرد التثقف العام؛ لإنتاج المقولات العلمية فيه أو تقويمها. كل ذلك لأجل أن ننظر لسلامة وموضوعية الحكم العلمي الذي يقرره المجتمع العلمي تجاه خطاب عدنان إبراهيم، ذلك التقويم الإجمالي الذي صدّرنا به سلسلتنا تلك في الجزء الأول منها. والذي سنرجع عليه بمزيد من التقويم والتفكيك بعد أن نخلص من التنظير لحياد المجتمع العلمي الإسلامي وضمانات ذلك الحياد.

(1)
فإننا، وبعد ما سبق تقريره حول أهلية المجتمع العلمي، نقف أمام سؤال أساسيّ آخر: كيف نضمن حياد المجتمع العلمي بحيث لا يحابي ولا ُيقصي تبعا لأهوائه؟ بصورة أخرى: كيف نحمي المجتمع غير العلمي -الذي لا نرى لآرائه العلمية اعتبارًا- من تحيزات المجتمع العلمي المحتملة؟

الحجة الرائجة عند بعض المتعصبين لخطاب عدنان إبراهيم تتمثل في أن المجتمع العلمي متحيز بطبيعته ويرغب في مدّ سلطته على جميع الخطابات الدينية بتنوعاتها

هذا موضوع واسع جدًّا، وله جماهيرية حالية، نظرًا لشيوع الاتجاهات الثقافوية المؤمنة أو المتأثرة بما بعد الحداثة، والتي ترى أن احتكار المجتمع العلمي للمعرفة يغيّب النزاهة، أو يقللها على الأقل، ويشكل لوغوس جديدًا للمعرفة، يهدف بطريقة أو بأخرى إلى احتكار القوة – ثنائيات المعرفة والسلطة -، وبناء على ذلك فإنه ينبغي تفكيك المجتمع العلمي ومكونات المعرفة وإتاحتها، ينبغي أن نقوم بدور بروميثيوس، أسطورة اليونانيين، الذي سرق المعارف من زيوس وأصحابه الآلهة المحتكرة للمعرفة والقوة لتضمن السيطرة على البشر وإخضاعهم، حتى النار التي غيّرت وجه التاريخ سرقها بروميثيوس من أعلى الأوليمب ووهبها للبشر. أو على الأقل ما تدعو إليه الاتجاهات الأكثر عقلنة من أنه ينبغي أن يمارس المجتمع ضغوطًا ما على المجتمع العلمي، تسمح بالمراجعة والتقويم؛ لأن المجتمع العلمي غير حيادي بطبيعته، أو لأنه غير حيادي حيادًا مطلقًا في أحسن تقدير. ونحن سنرجع إلى شيء من ذلك بالإشارة حين الكلام على جوهر التجديد في الجزء الأخير من ورقتنا. وسنركز هاهنا على ما يختص بالخطاب الديني فحسب، وذلك لأننا نبحث في موضوع دينيّ في المقام الأول.

نحن نبحث في هذه القضية في سياق موازنتنا بين مناقشة الظاهرة العامة، ونموذجنا الخاص: شخصية عدنان إبراهيم؛ لسببين واضحين:

الأول: يتعلق بحجة رائجة عند بعض المتعصبين لخطاب عدنان إبراهيم، تتمثل في أن المجتمع العلمي متحيز بطبيعته، ويرغب في مدّ سلطته على جميع الخطابات الدينية بتنوعاتها، ومن ثَمّ فلا عجب أن يقاوم عدنان إبراهيم، ويناصبه العداء، فإنه ذلك المستنير الذي لمس التابوهات المقدسة، وقلّب التراث وحرَثَه. ولذلك فإن ما سنتعرض لبيانه من مدى موضوعية المجتمع العلمي الديني العام سيستهدف الجواب على سؤال من قبيل: هل يمكن أن يكون الخلاف العلمي مؤثرًا في الموقف من العالِم المخالف فيما يتعلق بعالميته؟ وإذا كان من الممكن حدوث ذلك فما هي الإجراءات التي يمكن أن تقاوم ذلك التحيز وتضمن حدًّا أدنى معقولًا من الموضوعية والنزاهة؟

الثاني: أن ذلك سيكون أساسًا نظريًّا يعتمد عليه في بيان شذوذ مقولات عدنان إبراهيم وعدم استنادها إلى مرجعية علمية صحيحة. فإن من طرائق بيان ذلك أن يظهر أنها مقولات ليس لها سلف في المجتمع العلمي الأول للإسلام، أو مناقضة له، وهو مجتمع معياري، بما يعني أنها ليست معتبرة علميًّا.

(2)
للتمهيد لتلك المناقشة لابد أن نبيّن أن هناك إجراءات قام بها المجتمع العلمي لتأطير صور الخلاف فيه وتنظيمها. يجب أن نقدّم هذا التنظير الموجز، ثم نستكشف معالم تطبيقه، والتي تشرح ملامح الحياد والموضوعية في المجتمع العلمي وضماناته، والتحيز وملامحه وكيفية مواجهته.

ينقسم الخلاف في إطار المجتمع العلمي الديني إلى نوعين: خلاف جائز سائغ لا تثريب فيه ولا إنكار، وهو في المسائل التي لا تخالف نصًّا ولا إجماعًا قديمًا. وخلاف محرم – غير سائغ – فيه الإنكار، وهو المسائل التي تخالف النص الصريح أو الإجماع القديم. مسائل الخلاف السائغ مهما كان القول فيها ضعيفًا، فإنه لا قطع فيها بالتخطئة، ولا لوم ولا إنكار على المجتهد فيها، ما دام خلافًا سائغًا.

وحتى الخلاف غير السائغ لا يستلزم عقوبة المخالف، أما العقوبة الدينية فإنه لا كلام عنها من حيث الأصل، مادام المجتهد قد بذل وُسعه وكان قصده حسنًا، وكان منطلقًا من تأويل معتبر وفق قواعد الأدلة العامة وقواعد اللغة العربية، بل يكون معذورًا أو مأجورًا أجرًا واحدا، كما جاء في الحديث أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. أما العقوبة الدنيوية فهي موقوفة على حكم قضائي. وهذا النوع من الخلاف يشرع فيه القطع بالتخطئة، والإنكار على المخالف.

ولكن هنا يتبادر السؤال: من يحدد رتبة الأقوال من جهة هل هي سائغة أم لا؟ والجواب: أنهم الفقهاء المجتهدون أنفسهم. كما قال الشاطبي – في الموافقات -: «فإن قيل: فماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟ فالجواب: أنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم، فلا تمييز لهم في هذا المقام»، وهذا متسق تمامًا مع ما ذكرناه سابقًا من اختصاص الحكم العلمي الموضوعي بأهله.

(3)
بناء على ذلك يرد السؤال التالي مباشرة: ولكن من أين لنا أن نضمن حياد المجتمع العلمي؟ كيف يكون المجتمع العلمي خصمًا وحكمًا؟ ألا يحتمل أن يقع التواطؤ؟ على الأقل ألا يمكن أن يقع ذلك ولو دون تواطؤ، بصورة لا إرادية، في اللاوعي الجمعي؟

عند تحليل هذا السؤال؛ نجد أننا حين نتكلم عن المجتمع العلمي فإنه يجب تحليله – مفهوميًّا وواقعيًّا – إلى مستويين: مستوى المجتمع العلمي العام، ومستوى تمثلات ذلك المجتمع العلمي الخاصة.

فالمجتمع العلمي العام يعني مجموع العلماء المسلمين، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وحتى تقوم الساعة، وأول ذلك المجتمع العلمي هو مجتمع الصحابة – فقهاء الصحابة – وهو الجيل المعياري الذي يعبر عن الفهم الحقيقي للإسلام. وسنرجع على ذلك في الجزء الأخير من ورقتنا حين نتناول إشكالية التجديد. والمجتمع العلمي الخاص هو إما: الخاصّ كمًّا، كعلماء عصر معين أو مصر معين، جماعات، أو آحاد، أو: الخاص كيفًا، كالعلماء المتخصصين في علم بعينه، كالفقهاء والمحدثين ونحوهم.

من الواضح أننا لا نتناول بحديثنا حول التحيز العلمي المجتمعَ العلمي العام، فإنه لا يتصور أن تجتمع الأمة كلها في كل عصر ومصر اجتماعًا هو من قبيل التواطؤ والاتفاق.

أما المجتمع الخاص؛ فإنه لا إشكال في تصوُّر وقوع التحيز فيه، فإن هذا يمكن إمكانًا عقليًّا، وهو واقع تاريخيًّا. ولكننا سنبين الآن حدود ذلك التحيز، وآليات التعامل معه، بما يضمن مساحة مستمرة من الموضوعية العامة للمجتمع العلمي.

(4)
ينبغي أن نفرق في ذلك التحليل حول موضوعية المجتمع العلمي: بين صورتين من صور المجتمع العلمي الخاص؛ لوجود الفرق النوعي والواضح بينهما: الطبقة الأولى من المجتمع العلمي الخاص، وهو عصر الصحابة. ثم الطبقات اللاحقة من العلماء بعد الصحابة.

ففيما يتعلق بالمجتمع العلمي المتكوّن من فقهاء الصحابة فإنه يقل التحيز فيه جدًّا، والمقصود بالتحيز غلبة الهوى على المعطيات العلمية في البحث العلمي. وذلك لأسباب موضوعية، تتعلق بقرب العصر من الوحي، وظهور العلم، ووجود معظم أدواته سليقة عند الصحابة لا بالكسب والتعلم، فضلًا عن السمات الشخصية والنفسية لعامة الصحابة وبخاصة فقهاءهم. قد يقع في تلك الطبقة نوع من التحيز الضروري في المجتمعات الإنسانية والعلمية، لكن أمثلة ذلك شيء قليل جدّا، في آحاد المسائل، وهو مع ذلك لا يبلغ درجة التواطؤ أو حتى الأكثرية، وهو كذلك جزئي لا يبلغ حدَّ الإسقاط العلمي العام لفقيه بسبب مخالفته. لنا أن نعلم مثلا أن في خلافة علي، وأثناء اشتعال الفتنة السياسة العامة والحرب الأهلية مع معاوية، أن معاوية أرسل من الشام سائلًا بأسئلة علمية إلى عليّ. روى ذلك مالك في الموطأ. العصبية الشديدة والفتنة السياسية لم تمنع معاوية من ذلك، وطبيعة المجتمع العلمي للصحابة لم يكن من الممكن أن تقبل مساواة معاوية لعلي في العلم، أو الفضل. لا يمكن لخلاف علمي أو غير علمي في ذلك السياق أن يتسبب في نزع صفة العالمية. هناك عامل آخر دقيق لانتفاء الإمكانية الواقعية لتواطؤ التحيز العام في ذلك المجتمع، وهو أنه كان يمثل المجتمع العلمي العام، لأن الصحابة كانوا جميع الأمة، غير مسبوقين بمسلمين، وكل أمة للمسلمين بعدهم مسبوقة ببعض الأمة، مقطوعة من جهة الماضي عن أن تكون محققة في الواقع لمفهوم الأمة. وهذا معنى دقيق أشرنا إليه ولا يعنينا الاشتغال به هنا.

(5)
ذلك التحيز، كمّا وكيفًا: قد كثُر بعد عصر الصحابة، من مرحلة التابعين فمن بعدهم. نقف في تلك العصور على أمثلة صالحة لتحيز جزئي وكلي، نعم قليلة لكنها دالة على التحقق بصورة أوسع من ذي قبل. هذا أمر طبعي فإنه لا يكون زمان إلا والذي بعده شر منه. دبّ النقص في العلم والعمل والقصد. ولا ينافي هذا مزية العلماء ولا فضلهم، فإن الإنسان ليس بمعصوم. لقد عقد ابن عبد البر في جامع بيان العلم بابًا في كلام الأقران من العلماء في بعض، أورد فيه مخاشنات وقعت بين أعلام كبار من علماء الأمصار في تخصصات مختلفة، وهي ظاهرة علمية تم تناولها في المصنفات التاريخية الإسلامية. ولكن ظل هذا على مستوى جزئي من جهتين: أنها تتناول شخصًا معينًا في الغالب وليس تيارًا، وأنها تكون انتقادًا محدودًا في الغالب وليس إسقاطًا تامًّا.

(6)

ظلت التحيزات محدودة لم يقع عليها اتفاق تامّ، بل ظل في وزْن وتقدير تلك الخلافات بين السلف الأول تنازع واختلاف بين متشدد في القطع بالتخطئة ومتعصب في الموافقة

ثم توسع ذلك التحيز في الطبقات اللاحقة مع إشكالية انقسام المزاج العلمي منهجيًّا وفعليًّا لمشارب وتوجهات علمية مختلفة، من نمط التوجهات الفردية والجماعية الحرة إلى صورة التيارات والجماعات العلمية الحقيقية، إلى أهل حديث وأهل رأي، مثلًا، فضلًا عن التأسس الواضح للأنظمة البدعية: الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة والجهمية.

ولكن: ومع الإقرار بظهور التحيزات العلمية بصورة أوضح في تلك الطبقات، فإلى أي حدّ كانت تلك التحيزات مؤثرة على (مجمل) المجتمع العلمي الخاص في العصر المعيّن؟ الجواب: أن ذلك التأثير ظلّ جزئيًّا أيضًا من جهة تأثيره، وإن وجدت فيه بعض ملامح الكليانية في كيفيته، في إسقاط فقيه ما أو تيار من منزلة الفقاهة – أبو حنيفة وأهل الرأي مثلًا -، أو الاشتداد العملي إلى حد التطبيق المجتمعي لعقوبات كالهجر والتحذير مثلًا. ولكن هذا الأثر التحيزي ظل محاطًا بسياجين يحميان معدل الموضوعية العام: المحدودية، وعدم الاستمرار.

ظلت التحيزات: محدودة، لم يقع عليها اتفاق تامّ، بل ظل في وزْن وتقدير تلك الخلافات بين السلف الأول تنازع واختلاف، بين متشدد في القطع بالتخطئة، وبين متعصب في الموافقة، وبين متوسط. وكذلك لم تستمر تلك التحيزات، بل جرى في أغلب الأحيان ضروب من الممارسات الإصلاحية في الموقف تجاهها، من داخل المجتمع العلمي نفسه. وهذا الكلام – كما هو واضح – هو عن الخلافات السائغة عموما، والمختلف في سواغها، في المجتمع العلمي، وليست البدع الكلية المخالفة للوحي وفهم طبقة الصحابة، فهذا النوع من الخلاف غير السائغ ظل مذمومًا، لم يتسم بالمحدودية ولا التأقيت وعدم الاستمرار. ونحن لا نحكم هنا على آحاد ذلك التحيز قيميًّا كصواب وخطأ أصلًا، ولكن من جهة الوصف والتحليل الواقعي فحسب.

= في الجزء القادم من هذه السلسة: سنتعرض لما سبق ذكره من توصيف ظاهرة التحيز، ووجودها في المجتمع العلمي الخاص، ونموها مع الزمن: سنتعرض له بالتنظير الذي يشرح تفسيرنا لمعادل الموضوعية المستمر، والمانع من التحيز المطلق الذي يطمس معالم الحقيقة، أو يُفْقد الباحث عنها من داخل المجتمع العلمي؛ سُبُلَ تلمُّسِها.