فلم القيق.. التقنية لأجل القضيّة !

blogs - freedom

التقنية في عالم إنتاج الأفلام السينمائية تعتبر من العناصر المهمة التي يقوم عليها الفلم الناجح ، ودائما ما نجد المخرجين يبدعون في استخدام التقنيات السينمائية الصعبة سواء في لقطة محددة في الفلم أو في انتاج الفلم كاملا ما يعطي ثقلا للعمل الفني المعروض، ويمثل عامل جذب للنقاد أو الجمهور أو أصحاب القرار.
 

في فلم أفاتار "Avatar " -على سبيل المثال- فلم الخيال العلمي للمخرج جيمس كاميرون ، تأخر في إنتاجه على أمل ايجاد تقنية تلائم روعة المشاهد التي يريد نقلها للجمهور مشحونة بعنصري الإثارة والدهشة والإبهار فكان نتاج ذلك فلما غاية في الجودة، ليس الأمر محصورا بتقنية الأبعاد الثلاثة فحسب ولكن في جعل الملامح وتفاصيل الوجه للممثلين وإيماءاته واضحه جدا وكأنها حقيقية ولكن في غطاء كرتوني.
 

العامل الذي استغله نورس كان في ظهور زوجة القيق في النهاية والتي كانت أصلا قد أصبحت أيقونة إعلامية للقضية مع طفلته.

تقنية اللقطة الواحدة إحدى التقنيات الأكثر صعوبة في فن الإخراج السينمائي ، " one shot " أو " long take " والتي تعتمد على أداء طاقم العمل بأكمله بشكل مستمر، من مصوّر/كاميرا -واحد/ة فقط !- ومخرج وممثلين وكمبارس في مشهد واحد متماسك حدّ الواقعية. فهي التقنية التي تجعلك تعيش الحدث وكأنه يحدث للتوّ أمامك دون أن يفوتك شيء، ما يجعل الفكرة أو القصة المعروضة معاشة وأكثر تأثيرا في مشاعر الجمهور المشاهد.
 

وقضية القيق كانت قضية تستحق عناء التصوير بمثل هذه التقنية، لم تكن قضية جديدة، بل قضية متجددة وصارخة لكنها تحتاج لإطار مختلف حتى تصل للمجتمع الدولي والمحافل التي أصبحت تجد في القضية الفلسطينية وما يتعلق بها قضية مكرورة لا جديد فيها.
 

وهذا ما أراده المخرج نورس أبو صالح في فلمه الأخير القيق !..فجاء هذا الفلم القصير بتوقيت حساس للغاية وأُنتج في زمن قياسي جدا ليعبّر عن معاناة الأسير الفلسطيني الذي بات يستخدم "تقنية " مغايرة هو الآخر ليعبر عن مطالبه الاضراب عن الطعام مقابل حريته.
 

التقنية الأخرى التي أعطت للفلم ثقلا هي دمج حدث حقيقي لبطل حقيقي في أحداث الفلم الدرامية.
حدث هذا في أكثر من فلم في السابق أذكر على سبيل المثال فلم الخيال العلمي المدهش contact للمخرج زيميكس، حيث أورد بعض المشاهد الحقيقية وعمد إلى دمجها في أحداث فلم درامي بذكاء فذ وعبقرية مذهلة ما أعطى الفلم بعداً مختلفا في ذهن المشاهد وأثرى الأحداث إثراءا نوعيا ً. وهنا في فلم القيق نجد أن نورس في بداية الفلم استثمر المشاهد الحقيقية و الموجعة للقيق في إضفاء واقعية تلامس وجدان المشاهد بعمق وتترك أثرا لا يمحى.
 

أما العامل الآخر الذي استغله نورس كان في ظهور زوجة القيق في النهاية والتي كانت أصلا قد أصبحت أيقونة إعلامية للقضية مع طفلتها، وهذه اللفتة لا تقل في أثرها عن سابقتها.
 

كل ما سبق في فلم استغرق 6 دقائق فقط (!) متواصلة من التصوير المستمر -فعليا- يسرد مشهد من اللحظات القاسية التي كان يعيشها الصحفي الأسير محمدالقيق في إضرابه عن الطعام وظروف هذا الاضراب -اليوم الخامس والثمانون تحديدا أي قبل الإفراج عنه بأيام – ويسلط الضوء على الجانب الإنساني للأسير مقابل التزوير في نقل الحقيقة التي يتسم بها الصهاينة؛ فالطبيب كما يظهر في المشهد ليس طبيباً ! والأسير -المريض- في معتقل أكثر منه مستشفى، حيث التعذيب والانتهاك المستمر لإنسانيته وأبسط حقوقه.
 

الكاميرا تتحرك من عمق لآخر لإتمام اللقطة الطويلة بإتقان، تبدأ بالعسكري الذي يتابع أخبار القيق وصوته الذي بدأ العالم ينصت له أخيرا – صوت ألمه في الحقيقة – ويبدو ممتعظا من ظهور الكيان الصهيوني بمظهر المغتصب المنتهك لحقوق الإنسان الفلسطيني – الأسرى بشكل خاص الصحفي بشكل أخصّ!- ثم تتحرك مع الطبيب كي يرى المشاهد أن هناك نافذتين نطل بهما على واقع الأسرى النافذة التي سمح لنا المخرج نورس أبو صالح أن نرى من خلالها في فلمه القصير، ونافذة يريدنا الصهاينة أن نرى والعالم من خلالها..، ونتابع مع الطبيب الذي يجلس إلى جوار القيق متحدثا مختصرا لحقائق كان لا بد أن تصل للجمهور المشاهد، وهذا يأخذ من الفلم الوقت الأطول ،كيف يتعامل حقيقة الكيان الصهيوني مع الأسرى والمضربين عن الطعام! ما الذي يريده هذا الكيان وما الذي يخشاه وكيف يتحكم بالاعلام الذي هو عدوّه الألدّ.
 

القيق كان يعيش في إطار صورة لزوجته وولديه لا يعنيه أي شيء أكثر منها ، تلك التي بصق عليها -في فعل مستفز – هذا الصهيوني كي يلصقها على الحائط، لا كي يظهر الحائط أكثر إنسانية خلف القيق وأمام الإعلام (!!) ، ولكن كي يزيد في الألم ويمعن في الانتهاك لهذا البطل!
 

نهاية اللقطة برأيي تحمل جوهر العمل وجوهر التقنية وتوضّح الجهد الذي بذل لأجل انجاحها ، حين ينهض القيق متحدّيا القيد والأسر والاضطهاد ، في ومضة أمل / حلم – تحققت فيما بعد ويا لله ! – ..نحو الحرية التي قايضها بحياته .
الموسيقى التصويرية المصاحبة للفلم مدججّة وقوية، ووقعها ينسجم مع وقع هذه القضية.
 

الفلم من إنتاج نورس ميديا ، بطولة الأستاذ أحمد العمري بدور الطبيب الصهيوني، الأستاذ نورس أبو صالح بدور القيق الأسير، والأستاذ ربيع سعادات مدير التصوير والإضاءة . موسيقى الأستاذ أحمد رامي، مساعد مخرج يوسف هديب، منتج طارق بدار وبالطبع أحمد الحلبية مدير الإنتاج.
 

السؤال الذي يطرح نفسه في النهاية إلى أي حدّ نحتاج للتجديد في الأسلوب الإعلامي الذي نطرح من خلاله قضايانا ناهيك عن التجديد والإبداع في التقنيات المستخدمة.

ظروف وحيثيات العمل لم تكن سهلة لا سيما الظروف النفسية التي يفرضها مصير القيق الذي كان مجهولا، ولعل استخدام هذه التقنية الصعبة رغم كل شيء أوجد ثقلا كبيرا على كاهل الطاقم الفني، فبالرغم من أنّ الكاريزما التي يتميز بها الأستاذ أحمد العمري هذا الوجه السينمائي، مميزة ومؤثرة في اضفاء الواقعية على الشخصية التي يقوم بأدائها إلا أنني لم أستطع إلا أن ألحظ أنه وفي بعض الأحيان كان يقرأ النص قراءة!
 

وعلى الرغم من أداء الأستاذ نورس أبو صالح الذي قارب في محاكاته وإيماءات وجهه وعينيه وكل جسده حال القيق كثيرا إلا أنّ ما استوقفني اللحظة التي ينهض فيها القيق بصورة غير متوقعة و مفاجئة ومجيّشة للمشاعر؛ حتى خلته سيأخذ طفله – على الأقل ! – بحضنه ويرفعه لأعلى في لهفة وحرارة يتطلبها سياق المشهد ، لكنه فاجئني بسيره الهاديء ..جدا !، ومن جهة أخرى تدارك ظهور القيق – البديل – في الفراش بإخفاء وجهه كانت حركة ضعيفة في المشهد!
 

يبقى القول أن إنتاج عمل فني مواكب للحدث وفي وقت قياسي واستثمار كل الإمكانيات المتاحة هو بحدّ ذاته تحدّ محل تقدير وإعجاب فكيف إذا جُمعت المواكبة زمنياً والتقنية الفريدة في إنجاح وإتمام العمل!
 

والسؤال الذي يطرح نفسه في النهاية إلى أي حدّ نحتاج للتجديد في الأسلوب الإعلامي الذي نطرح من خلاله قضايانا ناهيك عن التجديد والإبداع في التقنيات المستخدمة حتى تأخذ هذه القضايا حظها من الاهتمام العالمي والدولي ؟!
القيق مثالاً ..!