شعار قسم مدونات

تمهّل ساعي البريد

blogs - mail box
في قريتنا الواقعةً على النيل بشمالي السودان كنت ما أزال بالمدرسة الابتدائية عندما أخبرني أهلي أن قريبة لي تبحث عني بشدة لأكتب لها خطابا لابنها المسافر فهي لا تعرف الكتابة والقراءة مثلها مثل الكثير من بنات جيلها في ذلك الزمن.

لا أخفيكم أنني شعرت بالزهو لاختياري لهذه "المهمة العظيمة" دلفت بسرعة إلى دارها وتخيرت مكاني في الديوان (الصالون) ، قطع حبل تفكيري الحالم صوت المرأة المسنة وهي تحمل بعناية الورقة والظرف الذي سيوضع داخله الخطاب أو "الجواب" باللغة الدراجة بالسودان "بارك الله فيك ياوليدي" "حليت لي مشكلة كبيرة" ولم تنس أن تدعو لي باللنجاح والفلاح وأن يوفقني الله في دراستي وكل خطوة أخطوها.

لم يحتف الشعراء وكل ضروب الأدب بمثل ما احتفوا بالخطاب، ربما للظروف المرتبطة بإرساله وتسليمه في ذلك الزمن.

هذه الحفاوة جعلتني أشعر بمسؤولية أكبر قلت في نفسي لا بد أن أكون على قدر هذه الثقة،
بدأت باسم الله في كتابة "الجواب" مستفيدا من تجاربي في كتابة العبارات الاستهلالية التقليدية والتي مازلت أذكرها-من هذا الوسيط الذي اندثر ولفّه النسيان-من قبيل وأما لو دار محور سؤالكم عنا فنحن بحمد الله بخير لا ينقصنا سوى مشاهدتكم الغالية، الخ

بثت "بنت أحمد" أشواقها لابنها بالبندر كما يطلق أهلنا على المدن، وبتعبيرها الخاص، وحرصت على طمأنته على حالها والأسرة والأهل جميعا "نحن طيبيين نحمد الله وما عندنا أي عوجة.

ولم يخل الخطاب من وصايا قيمة وأخبار من البلد وسلام لأقرباء بالخرطوم وطلب بإرسال بعض العلاجات والطلبات البسيطة ولكن برفق ومشروط "إذا سمحت ظروفك ياوليدي’.

رقرقت عينا أم أحمد بالدموع وهي تختم رسالتها بالقول أكتب له ياوليدي وقول له "أنا عافية منك".
انتهت المهمة بسلام ولكن حدث أمر لم يكن متوقعا فقد طلبت مني تلاوة ما كتبته من البداية وحتى النهاية ولم يكن الأمر سهلا كما يبدو لكم، فقد تصرفت في بعض العبارات واختصرت بعضها، ولكن بقليل من التوضيح زال سوء الفهم وحصل الاطمئنان.

الشمس كانت قد شارفت على المغيب شربت "شاي المغرب" في دار بنت أحمد وغادرت على عجل، كنت أعرف أنها ما تزال تنتظرها مهمة أخرى وهي توصيل "الجواب" إلى أقرباء لنا سيافرون في اليوم التالي باللواري إلى مدينة بها محطة للسكة تبعد حوالي ساعتين ومنها عبر القطار إلى الخرطوم في رحلة تقارب اليومين.

ولكن هذا المسير ربما يكون أسرع من وصوله عبر البربد العادي الذي غالبا ما ينقل بذات القطار وربما يتسبب روتين العمل في المزيد من التأخير للرسائل، التي ينتظرها أصحابها بفارغ الصبر لذلك يفضّل أهلنا في القرية تحميلها للمسافرين.

غاب الجواب الآن ولم يبق من آثاره إلا قصاصات مهترئة في درج أو دولاب قديم مهجور لتحكي عن لنا عن ما كان وتذكرنا بالماضي وبذلك العصر الجميل.

دار الزمان دورته وهي دورة ليست كبيرة على كل حال وفي سنين معدودة حلت الهواتف محل الخطابات ومع تزايد استخدام الإنترنت لن تكون مفاجأة أن يصبح هذا الوسيط هو الوحيد لبث الرسائل وكافة عمليات الاتصال الأمر الذي يجعل جميع تجهيزات شركات الاتصال الهاتفي مثلها مثل الخطابات والتلغراف من قبيل التراث.

إليكم هذه الأبيات من قصيدة للشاعر حسين باذرعة:

كل طائر مرتحل عبر البحر..  حملتو أشواقي الدفيقة ليك (لك) ياحبيبي للوطن لترابه.. لشطآنه.. للدار الوريقة.

وبفضل ثورة الاتصالات أصبحت الرسائل بالصوت والصورة ولكنها تفتقر إلى حرارة الشوق ودفء الكلمات.

لم يحتف الشعراء وكل ضروب الأدب بمثل ما احتفوا بالخطاب، ربما للظروف المرتبطة بإرساله وتسليمه في ذلك الزمن، فهو الأداة الوحيدة المتاحة للتواصل و"مرسال الشوق" يحبس الناس أنفاسهم أياما ومنهم من يقضي ليلته ساهرا "يعد النجوم" حتى يصل.

وتأملوا هذه الأبيات للشاعر السوداني سيف الدين الدسوقي التي نظمها بعد أن ظل يتردد على موظف الاستعلامات حيث كان يعمل بالإذاعة السعودية ويسأله إن كانت قد وصلته رسالة من السودان فيجيبه بالنفي، وفي طريقه إلى مكتبه ذات يوم أنشد بهذه القصيدة والتي تغنى بها المرحوم أحمد الجابري:
مافي حتى رسالة واحدة بيها (بها) أتصبر شوية
والوعد بيناتنا (بيننا) إنك كل يوم تكتب إليا
هل يجوز والغربة حارة بالخطاب تبخل عليا

لما آخر مرة شفتك قبل ما أودع وأغادر
كنت حاسس إني خائف إنني متردد وحائر
(……)
وصحت موعدنا الرسائل، وين رسايلك وين كتاباتك إليا
 

وإليكم هذه الأبيات من قصيدة للشاعر حسين باذرعة
كل طائر مرتحل
عبر البحر
حملتو أشواقي الدفيقة
ليك (لك) ياحبيبي للوطن
لترابه.. لشطآنه.. للدار الوريقة
وغير ذلك كثير من ما فاضت به أحاسيس الشعراء.
والآن سادتي قولوا لي بيت شعر واحد وردت فيه كلمة "واتساب".