بيروت.. لا حب من طرف واحد بعد الآن

blogs - Beirut
أوضب حقيبتي لزيارة بيروت غداً. لا حنين للمدينة ولا شوق لأماكنها. فقط رغبة جامحة للقاء الاشخاص بحميمية مجردة من أي حيز جغرافي. لا أشتاق حتى لبيتي، أو سيارتي التي كنت حين أغيب أياما معدودة، أفتقد قيادتها وسماع الموسيقى داخلها. حين غادرت بيروت منذ أشهر قليلة، آثرت أن أترك كل شيء على ما هو عليه، تفادياً لتداعيات انفصال قاطع وجذري مع مدينة، لطالما رفضت مغادرتها.
 

هكذا تركت "كراكيب" غرفة الجلوس كما هي، ووضبت خزانتي وسريري بشكل يجعلني حين أعود، أستمر من حيث توقفت يوم سافرت.. كأن شيئاً لم يكن. صديقتي التي سكنت في البيت لفترة وجيزة أثناء غيابي لم تبدل هي الأخرى مكان الأشياء ولا "منطقها". لا لكسل تزعمه، وإنما (ربما) بشيء من التواطؤ الضمني معي. الآن يمكنني أن أفسر سلوكها على هذا النحو. فهي أيضاَ هجرت منزلها مؤقتاً ولا شك أنها لم تكن ترغب في العودة إليه لتجده بغير ما تركته.

بيروت اليوم لا يربطني بها إلا أشخاص أحبهم. لا أجد مبرراً لهذا الجفاء في داخلي حيال مدينة لم أقو على فراقها سابقاً. هنا في إسطنبول يكاد لا يمر يوم إلا ويسألني أحد من أين أنا. وحين أقول لبنان، تأتي فوراً صرخة الإعجاب وبعدها تصريح "تشوك غوزال" أي جميل جداً.
 

أحمل غضباً هائلا على بيروت، ولا أستيطع الآن إلا أن أرى قبحها، وأن أبلغها أنني طويت صفحة الحب من طرف واحد

الأسبوع الماضي وحده، أسر لي أربعة أشخاص علموا باستعدادي للسفر برغبتهم، لا بل بـ "حلمهم" بزيارة بيروت. صاحب الشقة حيث أسكن، وأستاذ اللغة، وسائق تاكسي قال إنه زار حلب وأراد بعدها زيارة بيروت، ومصورة صحافية مختصة بتصوير أطباق الطعام لصالح مجلات السياحة والطبخ. هؤلاء على اختلافهم، أجمعوا على سحر مدينة يجهلونها، ولا يعرفون عنها إلا ما وصلهم من بعض التجار أو الأفراد مثلي أو من الملصقات السياحية.
 

قلت في نفسي "على شو؟" ذاك أن بيروت منذ وقت غير وجيز ما عادت تشبه تلك الصورة الشائعة عنها على الإطلاق. ومهما حاولت شركات الإعلان وآخرها شركة الطيران الوطنية تصوير البلد كقطعة من الجنة، فنحن نعلم يقينا أن ذلك المكياج ما عاد يكفي لإخفاء الشوائب والعيوب. لا بل تكاد تلك المحاولة البائسة تشبه الإعلان الترويجي الذي نشرته أخيراً وزارة السياحة السورية وتختزل فيه ما يجري في البلاد من حرب وتدمير وتجويع، بشريط ضيق من الساحل وحياة الشواطئ. صحيح أن لا عمليات عسكرية مباشرة في لبنان، ولا صوت رصاص وقصف طيران، لكن ثمة حرب من نوع آخر تتأجج تحت الرماد.

فهنا، نائب لا يتورع عن التصريح بأن لضحايا الإغتصاب من النساء دور في استدراج الرجال إلى ارتكاب ذلك الفعل الشنيع! وعلى المنوال نفسه، تغتصب الأملاك العامة والشواطئ ومساحات المدن والبلدات في ما يعتبر حقاً مكتسباً للزعماء والمتنفذين. وكذلك تنتهك المناهج الدراسية بحذف واضافات بحسب هوى السياسيين، ويغزو الشاشات منجمون وقارئات طالع، وتكثر عجائب القديسين، وتعود جثامين من الحرب القريبة تحت جنح الظلام، فتكثر في الصباح صور "الشهداء" على الجدران وأعمدة الكهرباء.
 

وإلى هذا وذاك، تكتظ طوارئ المشافي وغرفها بحالات التسمم الغذائي بفعل الأطعمة الفاسدة والمشروبات الملغومة والري الملوث للخضروات، كما وبسبب انتشار النفايات وتكدسها في الأحياء وبين البيوت وفي الباحات الخلفية لتلك المطاعم الفخمة نفسها التي تظهر في الإعلانات، لكن ذلك كله لا يمنع إطلاق مبادرة غريبة عجيبة من نوع فرش سجاد أحمر على طول المدينة وعرضها بهدف كسر رقم قياسي ما.
 

تجرأنا ذات مرة فقلنا بيروت مدينتنا. ثم ماذا؟ لا شيء. لا شيء البتة إلا المزيد من ذلك الشقاء. بيروت أبلغتنا ببرود وتنصل أنها تحب سوانا

متعبة هي هذه البلاد. مرهقة هي بيروت. قاسية في كرهها لنا.. نحن الذين لم نقصر معها. دفعنا ضرائبنا من دون مقابل، وسدننا فواتير مضاعفة مقابل الكهرباء المقطوعة، والمياه المالحة والإنترنت البائس. والتزمنا بإشارات المرور وربطنا حزام الأمان لرغبة فينا في إقناع أنفسنا أننا على ما يرام. وحين فاض بنا الكيل تظاهرنا ودافعنا عن بقايا ذواتنا في هذه المدينة. هتفنا بما اعتقدنا أنه صحيح وحقيقي فينا… هتفنا ضد عنصريتنا، وطائفيتنا، ومناطقيتنا. وتجرئنا ذات مرة فقلنا بيروت مدينتنا. ثم ماذا؟ لا شيء. لا شيء البتة إلا المزيد من ذلك الشقاء. بيروت أبلغتنا ببرود وتنصل أنها تحب سوانا.
 

أوضب حقيبتي اليوم، وأفكر بكل من سألقاه غداً وبعد غد وبعده. هؤلاء هم من أشتاق إليهم وأريد حبسهم في حيز عاطفي لا جغرافي… أما بيروت فأحمل غضباً هائلا عليها، ولا أستيطع الآن إلا أن أرى قبحها، وأن أبلغها أنني طويت صفحة الحب من طرف واحد.