انتهاكات حماس: دروس في ديمقراطية البندقية

blogs - hamas
يعيد بعض الصحفيين والنشطاء، بين الفينة والفينة، فتح ملف حقوق الإنسان في قطاع غزة تحت إدارة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أو الحكومة الفلسطينية المنتهية فترتها، التي تحكم بحكم الأمر الواقع في ظل غياب سلطة شرعية بديلة.

تتكشف تعليقات أولئك الصحفيين غالبا عن حساسية مفرطة تجاه انتهاك حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي لم يعد مقبولا فحسب، بل مطلوبا وواجبا في العالم العربي الذي يخضع لحكم أنظمة إجرامية عصبوية تنظر إلى خطاب حقوق الإنسان كعدو وجودي لها، وتروّج لثقافة دنيئة بين شعوبها الجاهلة تعتبر حقوق الإنسان خطابا زائفا وعميلا للغرب.

ثمة منزع أيديولوجي خفي ينطوي عليه خطاب بعض النشطاء الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم كاملي الحيادية، وهو التصور الضمني بأنهم وحدهم يمثلون الحقيقة النزيهة.

غير أن النبرة تتصاعد في خطاب أولئك الصحفيين والنشطاء حد الإشارة الصريحة أو الضمنية إلى التعادل القيمي الكامل بين سلطة حماس في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية التابعة لإسرائيل في الضفة الغربية (بل وتبلغ عند بعضهم حد التعادل القيمي مع إسرائيل!).

تبدو تلك النبرة، في ظاهرها فحسب، نبرة مثالية تنحاز انحيازا كاملا لا تشوبه أية شائبة أيديولوجية إلى القيم الإنسانية؛ لكن تلك المثالية تفضي في الحقيقة إلى أقنمة قيمة وتضخيمها على حساب قيم أخرى، ومن ثم الولوج إلى حالة من العدمية، بل واللاأخلاقية، تساوي مساواة كاملة بين الحق والباطل.

تمثل تلك النبرة صورة مقلوبة للنبرة الاستعمارية التي تجلت لدى مثقفي أوروبا في القرن التاسع عشر بمختلف انتماءاتهم، الذين رأوا في التقدم الحضاري بمفهومه الغربي آنذاك أولوية مطلقة، فقبلوا الاستعمار أحيانا، بل وتبنوه أيضا، كخيار تقدمي حيال الأمم المتأخرة التي لم تدخل التاريخ بعد في نظرهم. فالنبرة الحقوقية على العكس من ذلك شكليا، تساوي بين طرفين بشكل كامل إذا ما تعادلت نظرتهما إلى قيمة معينة، مغفلة موقفهما تجاه قيم أخرى.

فعندما ترتكب حركة تحرر وطني في إطار حربها العادلة ضد قوى استعمارية غاصبة، جرائم حرب، ولا تتحلى بالحساسية الواجبة تجاه حقوق الإنسان، فإن ذلك لا يعني، ولا يجب أن يعني، أن كلا الطرفين متعادلان بشكل كامل، وأنه لا داعي إذن للوقوف إلى جانب قوى التحرر الوطني صاحبة الحق العادل في الدفاع عن استقلال وطنها وأمتها، تجاه المحتل الغاصب، بحجة أن كلا الطرفين في نظر أصحاب تلك النبرة العدمية لا يحترم حقوق الإنسان.

هذا هو ما يحدث كما أشرنا عندما يتحدث هؤلاء النشطاء بلغة تقارير المنظمات الدولية التي تطمس بمثالية عدمية، الفوارق بين سلطة حماس في غزة وبين السلطة الفلسطينية التابعة لإسرائيل في الضفة، أو بين إسرائيل نفسها.

لا تقتصر تلك الفوارق فحسب على الموقف من المقاومة والكفاح المسلح وتحرير فلسطين وحق العودة وغيرها من الثوابت القومية الفلسطينية، بل تمتد أيضا إلى حجم انتهاكات كل منهما، كما وكيفا؛ إذ يحلو لأصحاب تلك النبرة التهكم والسخرية من مجرد المقارنة الموضوعية بين ممارسات كل منهما للكشف عن الفوارق الكمية والكيفية فيها، نوايا كلا الطرفين، ومدى احترامه لحقوق الإنسان أو انتهاكه لها.

لكن إذا التمسنا الأعذار لتلك المؤسسات الدولية في نظرتها العدمية تلك؛ فإن النشطاء العرب لا يمكن أن نلتمس لهم ذلك إلا إذا اعتبرناهم مستشرقين لا يمتون إلى القضايا القومية بالتزام ولا يشعرون بالمسئولية الوطنية تجاهها. فعلاوة على الفوارق بين حجم الانتهاكات التي تقع فيها قوى المقاومة والتي تقع فيها قوى التنسيق الأمني، تأتي الفوارق في الموقف من تلك الثوابت الوطنية.

ثمة منزع أيديولوجي خفي ينطوي عليه خطاب بعض النشطاء الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم كاملي الحيادية، وهو التصور الضمني بأنهم وحدهم يمثلون الحقيقة النزيهة بينما يتورط الآخرون جميعا في الوحل. وهم يطالبون، في مكايدة طفولية، خصومهم الأيديولوجيين بإدانة الفصيل الذي ينتمون إليه باعتباره لا يختلف عن الخصم الإجرامي لأنه وقع في انتهاك معين.

أدت هذه الأحادية على مدى التاريخ إلى خدمة الطرف القوي الذي كان غالبا هو أيضا الطرف معدوم الأخلاق. وهكذا أفضت تلك الأحادية في التاريخ الفلسطيني إلى المواقف النزقة التي اتخذها اليسار الفلسطيني ضد الوسط واليمين في الأردن ولبنان، والتي أدت إلى إسالة الدم الفلسطيني نفسه بحورا بينما لم يوجه أولئك الرُعن رصاصة إلى العدو الإسرائيلي.

علينا في المقابل ألا ننسى مسئولية قوى التحرر أو القوى الديمقراطية أو القوى الدينية المعتدلة تجاه ذلك اللبس بسبب ضبابية خطابها النابع من ضبابية حقيقية في رؤيتها تجاه تلك القيم؛ وهي ضبابية تهددها وتهدد المشروع الوطني الذي تحمله برمته.

على قوى التحرر التي هي أضعف دوما من خصومها سواء كانوا محتلين أو عملاء للمحتلين، أن تدرك خطورة وأثر خطابها على معركتها مع تلك القوى.

فحتى عندما نعترف بواقعية السياسة والحرب، وما تتضمناه من عنف باعتبارهما ممارسات تنافسية محكومة بتوازن القوى، علينا أن نتذكر أن ذلك لا يعفينا من التزام خطاب واضح تجاه تلك القيم، ومسئوليتنا تجاهها، وضرورة التزامنا عمليا بالاقتراب منها ومحاصرة فرص الخروج عليها وانتهاكها قدر الإمكان.

للأسف، ينظر أبناء تلك القوى أحيانا إلى تلك المطالبات بتبني رؤى وخطابات واضحة تجاه قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات باعتبارها مطالبات باردة ومحض مكايدة من قوى خصوم لها؛ مما يعيق تطوير موقف تلك القوى فعليا.

لكن ما لا يدركه هؤلاء، هو أن تبنيهم تلك الرؤى والخطابات الواضحة ليس مطلبا خارجيا يستجيبون له تحت ضغط، وإنما هو ضرورة للحفاظ على مشروعهم الوطني، ولضمان استيعابهم لشرائح أوسع من الجمهور، وإحراجهم لخصومهم وتفويت فرص التربص ضدهم.

على قوى التحرر التي هي أضعف دوما من خصومها سواء كانوا محتلين أو عملاء للمحتلين، أن تدرك خطورة وأثر خطابها على معركتها مع تلك القوى، وعلى من يتعاملون مع قوى التحرر بمنطق المعلم الذي يملك العصا أو بمنطق الاحتقار لأنهم لا يبلغون شأوه القيمي أو حكمته البالغة، أن يدركوا أنهم في الأخير متورطون في الصراع، وليس لديهم رفاهية الحياد، وعليهم أن ينحازوا بوضوح إلى أحد طرفيه.