الطرح المستحيل في "الدولة المستحيلة" (1/3)

غلاف كتاب الدولة المستحيلة

رغم تعدد القراءات والمراجعات التي قدمت بحق كتاب "الدولة المستحيلة" لوائل حلاق، ظل محط اهتمام القراء والباحثين ومادة جديدة في الصراعات الفكرية المعاصرة، خاصة تلك التي تتعلق بالإسلاميين المعاصرين وعملهم السياسي ورؤاهم المتصلة بالدولة وسائر منتجات الحداثة الغربية.

شخصيا، أعترف بأن قراءتي الأولى للكتاب أتعبتني لغزارة الأطروحات التي يتناولها، والقالب الفلسفي الذي يطبع لغة الكتاب وفصوله ومقاصده، ولم أتمكن من الإحاطة بأبعاده ومراميه إلا بعد القراءة الثانية، وعلى إثرها شرعت بتلخيص الكتاب وتوضيح أهميته وإبراز المفاهيم التي تضمنها.
 

وهو ما سأقدمه في الجزءين الأول والثاني من هذا المقال، فيما سأتبعهما بجزء ثالث يقدم نقداً صريحاً وجملة ملاحظات على منهجه وأطروحته وبيان عدم تماسكه بالشكل الذي أخرجه به المؤلف.

مشروع نقض الحداثة من الزاوية الأخلاقية التي يقوم عليها "الدولة المستحيلة" مشروع أكبر من طرح النموذج الإسلامي التاريخي كبديل.

الكتاب رغم المآخذ والنقد الموجه له، والذي سأفصله وأسوق أمثلة له من نصوص الكتاب نفسه في الجزء الثالث من المقال، لا يزال يحتفظ بأهمية قصوى لما تضمنه من تفكيك للدولة القومية "الحديثة" وعوامل تكوينها وتطورها ومستوى همينتها وتغولها على الإنسان والطبيعة، على ما اعترى هذا المقصد من غلو وإطلاقية وغفلة عن عوامل أساسية في تشكل الدولة الحديثة لم يتعرض لها.

وكان حريا بالكاتب إبرازها، وهو الأستاذ الضليع الذي لا يخفى عليه مثلها، إلا أنه فضل استبعادها كي لا تعكر على صرامة الطرح الذي يرمي إليه، وهو نقض مشروع الحداثة بالكامل، باعتباره "مشروع دمار للإنسان والطبيعة" كما يصرح، من خلال استحضار نقيض ذلك من نموذج الحكم في التاريخ الإسلامي ومقارنته بنموذج الدولة الحديثة، وما خلفه كلا النموذجين من آثار ونتائج مختلفة على البيئة والإنسان، مسلطاً الضوء على مثالب "الدولة" بوصفها أهم منتجات الحداثة وأبرز مظاهرها.

مشروع نقض الحداثة من الزاوية الأخلاقية التي يقوم عليها الكتاب هو مشروع أكبر من طرح النموذج الإسلامي التاريخي كبديل، إذ أن المؤلف يصرح كما سيمر معنا في عرض فصول الكتاب في الجزء الثاني من المقال، بأن أطروحته لا تهدف لاستعادة المؤسسات التاريخية للإسلام، بل إن المقارنة القائمة بين الحداثة والإسلام هنا ليست إلا للتمثيل على لاأخلاقية الحداثة بمعايير المسلمين، وهو مثال يتكرر إذا ما قورنت الحداثة بمعايير غير المسلمين من الثقافات والحضارات ذات الامتداد الروحي.

فاستحضار الإسلام هنا في هذه المقارنة ليس لخصوصية الإسلام وفرادته عن الأديان والثقافات الروحية التي لا زالت قائمة في عالم اليوم وإنما ليكون مثالاً – في نظر المؤلف – على تناقض كل هذه الثقافات والأديان مع مشروع الحداثة الغريب عنها والمفروض عليها فرضاً، وهذا يفسر تصدي وائل حلاق لموضوعات الشريعة الإسلامية ونموذج الحكم الإسلامي التاريخي والعلمانية رغم كونه مسيحياً.

في هذا السياق، يطرح الكتاب مسألة، أصبحت ركيزة في الفكر الإسلامي الحركي في العقود الأخيرة، للاختبار والتحليل، وهي مسألة هل يمكن إقامة الدولة الإسلامية في شكل دولة حديثة؟ ويجيب على ذلك بالنفي، ويعلل ذلك بالفروقات الجوهرية بين الحداثة التي تعد الدولة أهم منتجاتها، وبين نظام الحكم في الإسلام "تاريخياً"، وذلك من حيث المنطلقات والأسس والتطبيقات.

كتاب "الدولة المستحيلة" سلط مجهر النقد على الأسس التي سلخت الدولة الحديثة عن المرجعيات الأخلاقية.

ويعزو ذلك إلى "مأزق الحداثة الأخلاقي"، وهذا الأخير هو ما سيشغل المؤلف خلال مجمل فصول الكتاب، وبما أن الكتاب قائم على المقارنة بين مفهوم "الدولة الحديثة" وما أَطلق عليه مصطلح "الحكم الإسلامي" فقد انهمك في تعريف كلا المفهومين وتفصيلهما والتمثيل لهما واستدعاء الفرق بل والتناقض بينهما في كل مستوى من المستويات، وعند كل مثال من الأمثلة.

يعد الكتاب وثيقة جمعت أبرز ما كتبه نقاد الدولة الحديثة من الفلاسفة الليبراليين الذين رأوا في الدولة مشروع تدمير لذاتيات الأفراد وموارد الطبيعة، وفلاسفة اليمين المسيحي الذين ينادون باستعادة المرجعية الأخلاقية التاريخية لأوروبا وإعادة بناء الدولة المعاصرة على أسسها، وسلطت مجهر النقد بصرامة على الأسس التي سلخت الدولة الحديثة عن المرجعيات الأخلاقية وحولتها بذاتها إلى المرجع الأسمى لكل شيء تحت سلطتها.

ويستحضر  الكاتب لتحقيق هذا الغرض مقولات لبعض فلاسفة الحداثة أنفسهم، لا سيما غلاتهم، ممن لا يعترف بالبعد الأخلاقي في طبيعة الدولة أو لا يرى الأخلاق إلا أداة بيد الدولة وكذلك مقولات نقاد الحداثة، ولذلك يعد الشطر الآخر من العنوان (مأزق الحداثة الأخلاقي) خلاصة محاور الكتاب بدقة، ورسالته الكبرى (رغم ما يمكن أن يؤخذ عليه من مآخذ كثيرة)، كما يصرح بذلك في نهاية الكتاب، بينما لا ينطبق الأمر ذاته على الشطر الأول من العنوان.

في العمق من أهداف المؤلف، يدعو الكتاب المسلمين إلى المساهمة في "مشروع الاستعادة الأخلاقي" كما سماه، وذلك على مستوى العالم وليس العالم الإسلامي فحسب، ويصرح في نهاية الكتاب بأن على المسلمين التعاون مع غير المسلمين الذي يشاركونهم الهم في استعادة الأسس الأخلاقية لمختلف نواحي المجال العام، وبذلك تكون الأطروحة بالشكل الذي قدمه حلاق ليست سوى توطئة ومدخلاً للوصول إلى هذا الهدف رغم عدم تماسك هذا المدخل، وبذلك تفقد رسالة الكتاب قيمتها كأطروحة، بينما يحتفظ الكتاب بأهمية كبرى من خلال النقاشات التي استعرضها على أية حال.

وفي هذا الصدد أنقل عبارة دقيقة للمترجم في توصيف الكتاب في تقديمه للترجمة العربية منه حيث قال: "بغض النظر عما إذا اتفق القارئ أو اختلف مع ما يطرحه المؤلف في الكتاب، فإنه غالباً ما سيجد نفسه مضطراً إلى التفكير فيه وأخذه على محمل الجد".