الجيل المحظوظ..

blogs - yemen
يقول المثل إنه بقدر الطعنة تكون الصرخة، ونحن جيل الثمانينيات في اليمن (الشمالي سابقاً) ينبغي أن تكون صرختنا قوية إلى أقصى حد، لأن الطعنة التي تلقيناها كانت موجعة للغاية. لأننا تلقيناها ونحن في حالة استرخاء وخدر لذيذ، بفعل تعاطينا للأحلام الوردية الجميلة التي روجتها لنا فترة الرفاة آنذاك.

لقد كان جيلا محظوظا بالفعل ذلك الذي ولد في سبعينيات القرن الماضي وقضى صباه وطفولته في عقد الثمانينيات. لأنه الجيل اليمني الوحيد في تاريخ اليمن كله الذي قطف ثمار ثورة 1962، وثمار الطفرة النفطية في الجارة السعودية، وثمار الدعم السخي الذي كانت تقدمه دولة الرفاه في الغرب للدول النامية.

كلما زادت ثقافة المرء الأصيلة زادت همومه، لأن شعوره بالمسئولية يكبر معها، وكلما ارتفعت حساسيته زادت آلامه أيضاً، لأنه لا يحتمل مناظر القبح كما يحتملها غيره.
كان عدد السكان محدوداً لا يتجاوز التسعة ملايين، وكانت مشكلاتهم محدودة أيضاً، وكل المشكلات التي ورثوها عن دولة الإمامة كانت في طريقها إلى الحل، بفضل العقيدة الجمهورية القوية التي تسري في أفئدة الناس، وبفضل النظام الجمهوري الذي يسعى إلى التخلص منها، كما كنا نعتقد. والناس في حالة بهجة لا يستطيعون تفسيرها، مع أن كثيرا منهم ما زال يعاني شظف العيش، إلا أنه متفائل مطمئن إلى أن المستقبل أفضل، ما دام أن كيس الطحين بخمسين ريالا أو مئة ريال، والدجاجة الواحدة بعشرة ريالات، وما دام أن العجلة تدور إلى الأمام، والأبواب مفتوحة للعمل والعيش الكريم.

المواطن البسيط يقضي معظم وقته في صناعة الفرح وانتظاره، فهو سعيد بالتحاق أبنائه بالمدرسة التي لم يستطع – هو وجميع أجداده إلى آدم – الالتحاق بها. وسعيد بالأغنية اليمنية الجميلة التي يسمعها في الإذاعة والتلفزيون بأصوات فنانين لم يكن بمقدوره أن يسمعهم من قبل لا هو ولا أي من أجداده.

فنانون كباراً أثروا الحياة الفنية للإنسان اليمني ثراء ليس له نظير من قبل ولا من بعد. وسعيد لأنه تمكن أخيراً من بناء بيت جميل على الطراز الجديد اللائق بالإنسان بعد أن كان يعيش في منازل الأشباح.

كانت الأسواق مليئة بالبضائع ذات الجودة العالية – معظمها يأتي من أوروبا – وكان للدولة حضور في وعي الناس وفي واقعهم، ولو في الحد الأدنى المقبول. وكانت هموم اليمني كبيرة ومثالية، فهو يحلم بالوحدة اليمنية، ويحلم بالوحدة العربية، ويحلم بوصول العرب إلى القمر، ويحلم بمصانع السلاح الثقيل، ويحلم بظهور القائد العربي العظيم الذي يأتي على حصان أبيض لاسترداد فلسطين وهزيمة اليهود والنصارى!.

في هذه الأجواء الوردية المضللة نشأ جيلنا، وتخلقت حساسيته ووعيه، فكنا أكثر الأجيال اليمنية حساسية تجاه قيم الحق والخير والجمال. وكلما زادت ثقافة المرء الأصيلة زادت همومه، لأن شعوره بالمسئولية يكبر معها، وكلما ارتفعت حساسيته زادت آلامه أيضاً، لأنه لا يحتمل مناظر القبح كما يحتملها غيره.

ولهذا كان إحساسه بالطعنة قوياً عندما بدأت الحياة تتراجع – من منتصف التسعينيات تقريبا – وتنحدر بصورة غير متوقعه. بدأ الانحدار على المستوى الاقتصادي، وانتهى على كافة المستويات السياسية والثقافية والأخلاقية.

الأسباب التي أدت إلى هذا الانحدار عديدة بعضها خارجي في مقدمته كارثة احتلال العراق للكويت التي دفع اليمنيون بسببها ثمناُ باهضاً، تمثل في عودة ملايين اليمنيين من الخليج إلى بلادهم، مع ما يعنيه ذلك من انقطاع أهم مورد اقتصادي للإنسان اليمني آنذاك، وانقطاع الكثير من المساعدات التي كانت تقدمها دول الخليج لليمن وفي مقدمتها الكويت. وبعضها محلي مثل الصراع بين القوى السياسية اليمنية بعد توحيد شطري اليمن، الذي انتهى بحرب كبيرة في العام 1994.

إلا أن أخطر الأسباب التي أدت إلى هذا الانحدار كانت تلك المرتبطة بمشروع توريث السلطة لنجل الرئيس المخلوع علي صالح. فقد عزم المخلوع صالح على توريث السلطة إلى نجله وإنهاء النظام الجمهوري برمته، لكنه كان مدركاً أن هذا الطموح العالي لا يمكنه أن يتحقق إلا بتحطيم كل شيء في طريقه.

وبالفعل عمل صالح بمكر على تحطيم كل شيء من المحتمل أن يقف أمام مشروعه، فأهمل نظام التعليم، وأهمل نظام الصحة، وأهمل مؤسسات الدولة، وحطم قيم الدولة والنظام والقانون في وعي الناس، وحطم منظومة القيم الاجتماعية التي كانت تعصم اليمنيين من التوحش، ومزق نسيج الوحدة الوطنية، وغذى الأحقاد الطائفية وشجع الحروب الأهلية، وجعل اليمن برمتها قنبلة موقوتة صاعقها في يده.

الشريحة التي تشبعت بثقافة ذلك الجيل وحساسيته هي التي تحمل على عاتقها اليوم حلم الدولة المدنية الديمقراطية وتحارب في سبيله على كافة المستويات المدنية والعسكرية.

وأخيراً أوصل اليمن إلى حالة الاحتراب والدمار الشامل والفشل التام، بعد أن تحالف مع القوى الإمامية الحاقدة على اليمنيين، ورهن نفسه لإيران الخمينية.

لقد كان الأمر بالنسبة لنا نحن أبناء هذا الجيل بمثابة حلم لذيذ انتهى بكابوس مفزع، لقد كنا أشبه براكبي اللعبة الأفعوانية التي ترتفع بركابها إلى أعلى نقطة ممكنة في السماء ثم تهوي بهم فوراً إلى القاع قبل أن يتشبعوا بسكرة الارتفاع. وليس بإمكان الأجيال التي سبقتنا ولا الأجيال التي لحقتنا أن تشعر بما نشعر به، لأنها جميعاً لم تجرب لحظة الارتفاع التي جربناها، ولم تتخلق فيها الحساية التي تخلقت فينا. إنها عبقرية اللحظة الزمنية، اللحظة التي كان لها من الخصوصية ما لا يتكرر حتى لو عادت دولة الرفاة.

بالتأكيد هناك من لا تنطبق عليهم هذه الحكاية من أبناء جيلنا، مثل أولئك الذين حكمت عليهم الأقدار أن يظلوا في منأى عن التأثيرات الجمالية لتلك الفترة، فنشأوا صوراً طبق الأصل من آبائهم وأجدادهم، وهؤلاء هم الذين نراهم اليوم في صف المخلوع والحوثي ومشروع الدولة الملكية، سواء في نسختها الإمامية أو في نسختها العفاشية (نسبة إلى المخلوع صالح عفاش). إلا أن الشريحة التي تشبعت بثقافة ذلك الجيل وحساسيته هي التي تحمل على عاتقها اليوم حلم الدولة المدنية الديمقراطية وتحارب في سبيله على كافة المستويات المدنية والعسكرية.