البوركيني.. الفصل الأخير؟

blogs-بوركيني
لا شك في أن رسوخ الأنظمة الديمقراطية وتأصلها لا يتأكدان إلا إذا اجتازت هذه الأنظمة بنجاح اختبار الممارسة للفعل السياسي، ليس في فترات الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي التي لا تُظهر عموما ما يستبطنه أي نظام ولا نخبه، لكن خلال الظروف الاستثنائية حيث توضع المبادئ والقيم المعلنة على المحك وتظهر أصالتها من زيفها.

تجربة لباس البحر الساتر المعروف بـ "البوركيني" في فرنسا والتعاطي الرسمي والشعبي معها كانت لافتة في هذا الإطار على أكثر من صعيد. فقد أثار المشهد الصادم لرجال شرطة فرنسيين يجبرون امرأة مسلمة على نزع هذا اللباس على أحد شواطئ مدينة نيس جنوبي البلاد تساؤلات عدة، خاصة وأن هذا الأمر يحدث في "دولة مرجع" في التنظير لقيم الديمقراطية والتحرر من الاستبداد. بلد اقترن بفكر "التنوير" منذ قرون خلت وكان لفلاسفته أمثال فولتير ومونتسكيو وجون جاك روسو.. وغيرهم إسهامات فكرية انتزعت أوروبا بأكملها من ظلمات الاستبداد والجهل والخرافة.

 

فرنسا اليوم المتشدقة بنظامها الديمقراطي، المتشبثة حد التقديس بعلمانيتها، تعيش تخبطا وارتباكا واضحين حيال مفهوم حرية الآخر.

لكن فرنسا اليوم المتشدقة بنظامها الديمقراطي، المتشبثة حد التقديس بعلمانيتها، والتي لا تتوانى في تذكير القاصي والداني بالتزامها بقيم "الحرية والمساواة والإخاء"، تعيش تخبطا وارتباكا واضحين -بشهادة الفرنسيين أنفسهم- حيال مفهوم حرية الآخر.. الآخر القادم من وراء البحار المختلف دينيا وثقافيا والذي أضحى "مصدر تهديد" للبلد ولعلمانيته، كما يرى ويعتقد قطاع من الفرنسيين.

بعد فصل "المصليات العشوائية"، واللغط الذي أثير حول محلات بيع اللحوم الحلال، والارتدادات التي كانت لقرار سويسرا منع بناء المآذن، وحظر الحجاب في المدارس العمومية ثم البرقع في الأماكن العامة، فتحت فرنسا فصلا جديدا من فصول العبث بالحريات كاد أن يأخذ منحى دراماتيكيا ويضع مصداقية الصرح الديمقراطي الفرنسى كله على كف عفريت لولا القرار الفاصل للمحكمة الإدارية العليا التي علقت قرار حظر "البوركيني" وأعادت نوعا من التوازن لمشهد مرتبك لم تشهد له فرنسا مثالا في تاريخها الحديث.

"كلمة الفصل" التي نطقت بها المحكمة لم تقنع رؤساء عدة بلديات فرنسية ممن منعوا اللباس الساتر، حيث أعلن رئيسا بلديتي "فريجوس" و"نيس" في تحد صريح لقرار المحكمة الإدارية العليا تمسكهم بقرار الحظر، وذكرت بلدية نيس في بيان لها أنها "ستواصل تحرير محاضر" ضد النساء اللائي يرتدينه.. فكيف نفهم مطالبة المسؤولين الفرنسيين المواطنين باحترام التشريعات المحلية "باسم القانون" فيما هم أنفسهم أول من يخرق هذا القانون ويعترض على تنفيذه؟

"اختبار البوركيني" الذي اجتازته فرنسا أو تكاد، في ظرفية "الطوارئ" وما بعد صدمة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها، وكان آخرها بمدينة نيس في 14 يوليو/تموز الماضي في ذروة احتفال الفرنسيين بيومهم الوطني، تستوقفنا من خلاله مجموعة من المواقف تعبر عن مدى الالتباس والحيرة اللذين تعيشهما البلاد حيال تعريف مفاهيم الحرية والعلمانية، وتحسُس المجتمع والنخب الفرنسية بشأن كل ما له صلة سواء من بعيد أو قريب بالإسلام والمسلمين.

رسميا، كان لافتا منذ اللحظات الأولى لبدء النقاش في الفضاء العام وفي الإعلام الفرنسي، التأييد الواضح من رئيس الوزراء مانويل فالس لقرار الحظر حيث أكد في تصريح له على أن البوركيني "ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني خصوصا على استعباد المرأة"، وشدد على ضرورة أن تدافع الجمهورية عن نفسها في مواجهة ما وصفها بـ "الاستفزازات".

في المقابل كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي تلقى موجة من الانتقادات بعد تصريحاته المثيرة للجدل عقب هجوم نيس حين حمل مسؤولية ما تعرضت وتتعرض له فرنسا من هجمات لما وصفه بـ "الإرهاب الإسلامي"، أكثر عقلانية وامتنع عن التعليق على قرار الحظر مفسحا المجال للقضاء ليقول كلمته.

أما الأوساط اليمينية اللاهثة وراء أنصاف الفرص لازدراء الإسلام والمسلمين فقد استغلت المناسبة لتكرار دعوتها بوضع حد لما تسميه "أسلمة أوروبا". كما تحول النقاش -أو حُول- إلى ساحة للمزايدات الانتخابية حيث دخل الرئيس الفرنسي السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية نيكولا ساركوزي على الخط مقترحا حظرا كاملا للحجاب في الجامعات.

التعاطي الرسمي وتعامل النخب الفرنسية مع قضية البوركيني كلفا فرنسا انتقادات صريحة، ومبطنة أحيانا، حتى من أقرب حلفائها، مثل كندا وبريطانيا والولايات المتحدة، حيث استغرب مسؤولون ومنظمات حقوقية من المستوى الذي انحدر إليه النقاش بهذا الخصوص بدعوى الحفاظ على الحريات وحماية العلمانية وثوابت الأمة الفرنسية.

فرنسا بحاجة ماسة لإعادة تعريف علمانيتها وصياغة رؤية جديدة تحكم علاقتها بالمسألة الثقافية.

كما كانت المتابعة الإعلامية لملف لباس البحر الساتر لاذعة وساخرة خاصة من قبل كبريات الصحف البريطانية. فقد ذكرت صحيفة غارديان في مقال لها "أنها لا تتذكر يوما في التاريخ الحديث بدت فيه فرنسا معزولة على المسرح العالمي بسبب خياراتها السياسية مثلما هي معزولة اليوم". فيما اعتبرت صحيفة تايمز أن "الأسوأ هو أنه وباستخدام فرنسا للعلمانية مبررا لإذلال النساء فإنها تشوه أيدولوجية تمثل أفضل الآمال بالنسبة للمسلمين الذين يتوقون للحرية".

في الفضاء الافتراضي، تحول النقاش بشأن البوركيني إلى مادة دسمة للسخرية والتهكم وأكدت معظم المشاركات على حق النساء في ارتداء ما يرغبن به، كما سخرت مئات الصور والكاريكاتيرات من منطق المنع وازدواجية المعايير بهذا الشأن. وتساءل البعض عن الأسباب التي أنتجت هذا الهوس والفوبيا داخل فرنسا من "قطعة قماش" أكد مصمموها مرارا أن مراميها صحية وجمالية وأن لا علاقة لها بالإسلام.. كما تساءل آخرون بماذا تختلف الشرطة الفرنسية التي تجبر النساء على خلع لباس البحر الساتر عن تنظيم "داعش" وأساليبه في الإكراه وقمع الحريات؟

قضية "البوركيني" وتداعياتها المستمرة حتى اللحظة أظهرت بجلاء أن فرنسا -وهو بالمناسبة موقف ثلة من الباحثين والإعلاميين الفرنسيين- بحاجة ماسة لإعادة تعريف علمانيتها وصياغة رؤية جديدة تحكم علاقتها بالمسألة الثقافية. رؤية تكاملية لا إقصائية تعترف بالآخر المختلف وتسعى لدمجه في النسيج المجتمعي بوصفه مكونا فرضته دينامية وتطور المجتمع الفرنسي عبر الأجيال وليس عنصرا "طارئا" يتوجب التضييق عليه ثقافيا ووضعه على الهامش بدعوى الحفاظ على "نقاوة الأمة الفرنسية" ومبادئها.

من دون هذه المراجعة للذات ستجد "بلاد الأنوار" نفسها لا محالة في غياهب الحيرة والالتباس مجددا وسيشهد العالم فصلا آخر من فصول "العبث الديموقراطي" الذي كاد أن يودي بـ "مرجعية" فرنسا سياسيا، ولن يكون مستبعدا ربما أن نرى أو نسمع في الغد القريب مثلا عن قانون يمنع ارتداء العمائم والطواقي في الأماكن العامة.. أو عن قانون يمنع الرجال من إعفاء اللحى.. وربما الشوارب أيضا.. من يدري!