يوم كان الحج حراما في الأندلس!

blogs - hajj
كان الأندلسيون يرون في بلاهم أرضًا معزولة، محاطة ببحار هائجة من ثلاث جهات، يحاصرها في الرابعة أعداء قساة غلاظ، حتى سميت الأندلس بأرض الجهاد المتصل، وهكذا أصبح الخروج منها إلى أرض الحجاز مُقيّدًا، لم تكن مخاطر البحر وكثرة الأعداء المتربصين المانع الوحيد من أداء هذه الفريضة، تعددت الأسباب حتى غدى الحج حلمًا بعيد المنال يصبو له الأندلسيون، وكلما ازداد المنع زاد الشوق.
 

إذا تتبعنا تاريخ دولة بني أمية في الأندلس سنجد أن جميع حكامها لم يؤدوا فريضة الحج، بل أن الجلّ الأعظم من السلاطين والأمراء والملوك والعسكر الذين حكموا بلاد المغرب الإسلامي في العصر الوسيط (أغالبة وأدارسة وموحدين ومرابطين ومرينيين وسعديين وسواهم).

في زمانهم، إذا أردت الحج من الأندلس فهذا يعني أن رحلتك ستمتد زمنيا إلى ما يربو على سنتين كاملتين، سنتان يسبقهم إعداد كبير في الزاد والعتاد.

جميعهم لم يؤدوا تلك الفريضة تبعا للسياق السياسي الذي فرض عليهم نوعا من القطيعة بين المشرق والمغرب، أو خوفًا من انقلابات داخلية في بلادهم، أو لطبيعة الصراع بين هذه الدول فضلًا عن دور الجغرافيا وما تفرضه من صعوبة في السفر.
 

قد تكون أول رحلة حجّ أندلسية مدونة هي رحلة ابن جبير الأندلسي في القرن السادس الهجري، وإن لم تكن كذلك فإني أحسبها أهم الرحلات التي دوّنت لخروج أندلسيّ من عدوة الأندلس ميمما شطر الديار المقدسة، ويمكن أخذ هذه الرحلة التي جمعت في مذكرات ومشاهد يومية من أدب الرحلات، نموذجا لما كان عليه حجّ الأندلسي وما كانت تصحبه من مشقة ومخاطر.
 

في زمانهم، إذا أردت الحج من الأندلس فهذا يعني أن رحلتك ستمتد زمنيا إلى ما يربو على سنتين كاملتين، سنتان يسبقهم إعداد كبير في الزاد والعتاد، سنتان تتعرض فيهم لكل المخاطر من تقلبات جوية أو قراصنة بحرية أو قطاع طرق أو حتى شدة العياء، فضلا عن المهانة والإذلال عند الدول التي كانت تعادي الأندلس وما أكثرها من عرب وعجم! ولهذا ارتبط حجّ الأندلسي بالمهلكة الشديدة، وعليه فقد صدرت فتاوى بتحريم رحلة الحج في فترات مختلفة.
 

أسقطت فريضة الحج عن أهل المغرب والاندلس بفتاوى عدة أبرزها فتوى ابن رشد التي استمرت قرابة الثمانين عاما، وذلك حفاظا على أمن وسلامة الأندلسيين من قطاع الطرق في البر والبحر، أو حفظا للنفس من الأسر على يد النصارى خاصة إبان الحروب الصليبية التي استعرت في المشرق، وقد وافقه في إسقاط الحج عن أهل الأندلس ابن حميدين واللخمي، أما شيخ المالكية الطرطوشي فقد كان يرى أن الحج حرام عليهم "فمن خاطر وحج سقط فرضه ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر" !.
 

ورغم كل تلك التعقيدات، كانت جموع الأندلسيين تتحدى المخاطر شوقا للحجاز، وكانت قوافل الحج الأندلسي تخرج أفواجا في عدة طُرق معلومة أشهرها المرتحلة من جنوب الأندلس إلى مضيق جبل طارق بالمغرب فقيروان وصولًا إلى مصر فالإسكندرية ومنها عبر البحر الأحمر إلى مكة.

أما الطريقة الثانية فمن شرق الأندلس أو الساحل الجنوبي الشرقي عبر البحر إلى الإسكندرية ومنها إلى البحر الأحمر وصولًا إلى مكة، أما الطريقة الثالثة فهي من بلنسية شرق الأندلس إلى الجزر الشرقية ثم سواحل فلسطين حيث عكا والرملة ومنها إلى القدس الشريف ثم منطقة العقبة وصولًا الى الحجاز فمكة. وقد كان علماء الأندلس يؤثرون الطريق الأول لأنهم يجدون في ذلك فرصة للقاء بعلماء المغرب وقيروان ومصر والإسكندرية.
 

كان الأندلسيون في حجهّم المليء بالمصاعب، سفراء يحملون مشاعرا من الحب الشديد لاخوتهم في الدين، تحركهم أشواقة عارمة لأرض النبوة، ويدفعهم توق فريد للتعريف بهم بين الناس، يندر أن تجد ترجمة لأي من علماء الأندلس الذين توجهوا في أسفارهم نحو مكة دون أن تشمل هذه الترجمة لقاءه بعلماء المشرق والأخذ عنهم، وبالمقابل نقل أخبار وأوصاف الأندلس منهم إلى سائر المسلمين.

أما أهل الأندلس الذين امتثلوا لتلك الفتاوى أو منعوا عن الحج لمشقته الشديدة، فقد أزهرت أشواقهم في كتب الأدب الأندلسي، كما نرى في شعر ابن العريف الصهناجي:

"شدّوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى … وكلّهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها … طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم … راح إذا سكروا من أجله فاحا
يا راحلين إلى المختار من مضر … زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على شوق وعن قدر … ومن أقام على عذر كمن راحا "

 
استمر هذا الحال حتى ما بعد سقوط آخر الممالك غرناظة وبداية ما عرف بحقبة الموريسكيين (وهم أهل الأندلس الذين ظلوا في بلادهم، مخفين دينهم بعد أن أجبروا على التنصر) تشير المخطوطات المحفوظة فى المكتبة الوطنية بمدريد، أن الموريسكيين أرّخوا باللغة الأعجمية أو لغة "الألخميادو" كتابات موريسكية دينية تؤكد على مجازفة كثير منهم في رحلة الحج رغما عن محاكم التفتيش وسطوة القشتاليين، إذ كان الموريسكيون يلجأون لطرق يتحايلون فيها على السلطات الكنسية دون أن تفطن لأمرهم.
 

من يقرأ في تاريخ الموريسكيين أصحاب الأخدود كما أسميهم، سيدرك جيدًا أي جهاد كان يبذل هؤلاء في سبيل أداء شعائرهم الدينية رغم كل التضييق، وأي تقصير نحن فيه رغم كل يُسر المتاح.

ومن بينهم الحاج لبواى مونسون الذى كان يقيم فى أراجون بشمال الاندلس، إذ استطاع الذهاب إلى مكة سراً و حج فيها فى أوآخر القرن السادس عشر، وقد أرّخ لتلك الرحلة في وثيقة شعرية كتب فيها :
"لقد سافرت بفرح
بعيداً عن كل أقاربى
للتحول إلى أرض الحج
و للقيام بهذا الحج
رحلة من شأنها ان تغسل كل آثام من يقوم بمثل هذه الرحلة"

أما البقية فقد كانوا بلغتهم الأعجمية البسيطة ذات الحرف العربي يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم عجزهم عن الفرار لبلاد إسلاميّة يعبرون منها إلى مكة، إن من يقرأ في تاريخ الموريسكيين أصحاب الأخدود كما أسميهم، سيدرك جيدًا أي جهاد كان يبذل هؤلاء في سبيل أداء شعائرهم الدينية رغم كل التضييق، وأي تقصير نحن فيه رغم كل يُسر المتاح.
 

ومن بين هذه المحطات العابرة في حجّ أهل الأندلس، يظلّ رباطهم في المسجد الأقصى في رمضان حتى موسم الحجيج أجمل مافي تلك الرحلة، إذ كان من عادة المغاربة وأهل الأندلس عند الذهاب في رحلة الحج المرور بالمسجد الأقصى قبل الحج أو بعده، كانوا يعتبرون زيارة القدس حجا "مصغراً " إن شئنا القول، حتى أن المعمرين المغاربة يخبرونك اليوم بذات الفعل، فإن سألتهم عن حجهم سيجيبونك تباهيًا، "نعم، حججّت و قدَّست"، أي أنني زرت القدس بعد حجتي، كانت تلك عادة الحجاج المغاربة حتى عهد قريب.. اللهم ارزقنا حجّ من عندك نصل فيه الدعاء من جبل المكبر إلى جبل عرفة.